معالم التنزيل (تفسير البغوي) — ج 8
البغوي • التفسير • ج8 ص496
تحقيق: حققه وخرج أحاديثه محمد عبد الله النمر - عثمان جمعة ضميرية - سليمان مسلم الحرش — دار طيبة للنشر والتوزيع
{وما تفرق الذين أوتوا الكتاب} في أمر محمد صلى الله عليه وسلم، {إلا من بعد ما جاءتهم البينة} أي البيان في كتبهم أنه نبي مرسل.
قال المفسرون: لم يزل أهل الكتاب مجتمعين في تصديق محمد صلى الله عليه وسلم حتى بعثه الله، فلما بعث تفرقوا في أمره واختلفوا، فآمن 198/أبه بعضهم، وكفر آخرون.
وقال بعض أئمة اللغة: معنى قوله "منفكين": هالكين، من قولهم: انفك [صلا] (1) المرأة عند الولادة، وهو أن ينفصل فلا يلتئم فتهلك.
ومعنى الآية: لم يكونوا هالكين معذبين إلا من بعد قيام الحجة عليهم بإرسال الرسول وإنزال الكتاب، والأول أصح. ثم ذكر ما أمروا به في كتبهم فقال: {وما أمروا} يعني هؤلاء الكفار، {إلا ليعبدوا الله} يعني إلا أن يعبدوا الله، {مخلصين له الدين} قال ابن عباس: ما أمروا في التوراة والإنجيل إلا [بالإخلاص في] (2) العبادة لله موحدين، {حنفاء} مائلين عن الأديان كلها إلى دين الإسلام، {ويقيموا الصلاة} المكتوبة في أوقاتها، {ويؤتوا الزكاة} عند محلها، {وذلك} الذي أمروا به، {دين القيمة} أي الملة والشريعة المستقيمة. أضاف الدين إلى القيمة وهي نعته، لاختلاف اللفظين، وأنث "القيمة" ردا بها إلى الملة.
وقيل: الهاء فيه للمبالغة، وقيل: "القيمة" هي الكتب التي جرى ذكرها، أي وذلك دين الكتب القيمة فيما تدعو إليه وتأمر به، كما قال: "وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه" (البقرة 213) .
قال النضر بن شميل: سألت الخليل بن أحمد عن قوله: "وذلك دين القيمة"؟ فقال: "القيمة":
