البداية والنهاية — ج 1
الحافظ ابن كثير • التاريخ والتراجم • ج1 ص292
تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
تعبثون ببنائها ; لأنه لا حاجة لكم فيه، وما ذاك إلا لأنهم كانوا يسكنون الخيام، كما قال تعالى: {ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد} [الفجر: 6] . فعاد إرم هم عاد الأولى الذين كانوا يسكنون الأعمدة التي تحمل الخيام.
ومن زعم أن إرم مدينة من ذهب وفضة، وهي تتنقل في البلاد فقد غلط وأخطأ. وقال ما لا دليل عليه. وقوله: {وتتخذون مصانع} [الشعراء: 129] . قيل: هي القصور. وقيل: بروج الحمام. وقيل: مآخذ الماء. {لعلكم تخلدون} [الشعراء: 129] . أي ; رجاء منكم أن تعمروا في هذه الدار أعمارا طويلة {وإذا بطشتم بطشتم جبارين فاتقوا الله وأطيعون واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون أمدكم بأنعام وبنين وجنات وعيون إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم} [الشعراء: 130] . وقالوا له فيما قالوا: {أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين} [الأعراف: 70] . أي ; أجئتنا لنعبد الله وحده، ونخالف آباءنا وأسلافنا، وما كانوا عليه فإن كنت صادقا فيما جئت به فأتنا بما تعدنا من العذاب والنكال، فإنا لا نؤمن بك ولا نتبعك ولا نصدقك، كما قالوا: {سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين إن هذا إلا خلق الأولين وما نحن بمعذبين} [الشعراء: 136] . أما على قراءة فتح الخاء فالمراد به اختلاق الأولين أي ; أن هذا الذي جئت به إلا اختلاق منك، وأخذته من كتب الأولين هكذا فسره غير واحد من الصحابة، والتابعين، وأما على قراءة ضم الخاء واللام فالمراد به الدين أي ; إن هذا الدين الذي نحن عليه إلا دين الآباء والأجداد من أسلافنا، ولن نتحول عنه ولا نتغير ولا نزال متمسكين به. ويناسب كلا القراءتين الأولى والثانية قولهم: {وما نحن بمعذبين} [الشعراء: 138] . قال: {قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما نزل الله بها من سلطان فانتظروا إني معكم من المنتظرين} [الأعراف: 71] .
#
