البداية والنهاية — ج 2
الحافظ ابن كثير • التاريخ والتراجم • ج2 ص137
تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
عظيمة وعطيات جسيمة، فما رعوها حق رعايتها، ولا قاموا بشكرها وحق عبادتها، ثم ضجر كثير منها وتبرموا بها، وسألوا أن يستبدلوا منها ببدلها، مما تنبت الأرض من بقلها، وقثائها، وفومها، وعدسها، وبصلها. فقرعهم الكليم، ووبخهم وأنبهم على هذه المقالة، وعنفهم قائلا: {أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم} [البقرة: 61] أي; هذا الذي تطلبونه وتريدونه بدل هذه النعم التي أنتم فيها، حاصل لأهل الأمصار الصغار والكبار، موجود بها، وإذا هبطتم إليها، أي; ونزلتم عن هذه المرتبة التي لا تصلحون لمنصبها، تجدوا بها ما تشتهون، وما ترومون مما ذكرتم من المآكل الدنية والأغذية الردية، ولكني لست أجيبكم إلى سؤالكم ذلك هاهنا، ولا أبلغكم ما تعنتم به من المنى، وكل هذه الصفات المذكورة عنهم الصادرة منهم، تدل على أنهم لم ينتهوا عما نهوا عنه، كما قال تعالى: {ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى} [طه: 81] . أي; فقد هلك، وحق له والله الهلاك والدمار، وقد حل عليه غضب الملك الجبار، ولكنه تعالى مزج هذا الوعيد الشديد بالرجاء لمن أناب وتاب، ولم يستمر على متابعة الشيطان المريد، فقال: {وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى} [طه: 82] .
#
