البداية والنهاية — ج 2
الحافظ ابن كثير • التاريخ والتراجم • ج2 ص423
تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
بني إسرائيل، واشتهرت بما ظهر عليها من الأحوال الكريمة، والصفات الشريفة، حتى إنه كان نبي الله زكريا كلما دخل عليها موضع عبادتها، يجد عندها رزقا غريبا في غير أوانه، فكان يجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف، فيسألها: {أنى لك هذا} [آل عمران: 37] فتقول: {هو من عند الله} [آل عمران: 78] أي: رزق رزقنيه الله {إن الله يرزق من يشاء بغير حساب} [آل عمران: 37] فعند ذلك وهنالك طمع زكريا في وجود ولد من صلبه، وإن كان قد أسن وكبر. {قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء} [آل عمران: 38] قال بعضهم: قال: يا من يرزق مريم الثمر في غير أوانه، هب لي ولدا، وإن كان في غير أوانه. فكان من خبره وقضيته، ما قدمنا ذكره في قصته.
قال الله تعالى: {وإذ قالت الملائكة يامريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين يامريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون إذ قالت الملائكة يامريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم وجئتكم بآية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم فلما أحس} [آل عمران: 42]
[آل عمران: 42 - 51] .
يذكر تعالى أن الملائكة بشرت مريم باصطفاء الله لها، من بين سائر نساء عالمي زمانها، بأن اختارها لإيجاد ولد منها، من غير أب، وبشرت بأن يكون نبيا شريفا {ويكلم الناس في المهد} [آل عمران: 46] أي: في صغره، يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وكذلك في حال كهولته، فدل على أنه يبلغ الكهولة، ويدعو إلى الله فيها، وأمرت بكثرة العبادة والقنوت والسجود والركوع ; لتكون أهلا لهذه الكرامة، ولتقوم بشكر هذه النعمة. فيقال: إنها كانت تقوم في الصلاة حتى تفطرت قدماها، رضي الله عنها ورحمها، ورحم أمها وأباها. فقول الملائكة: {يا مريم إن الله اصطفاك} [آل عمران: 42] أي اختارك واجتباك. (وطهرك) أي: من الأخلاق الرذيلة، وأعطاك الصفات الجميلة.
{واصطفاك على نساء العالمين} [آل عمران: 42] ، يحتمل أن يكون المراد عالمي زمانها، كقوله لموسى: {إني اصطفيتك على الناس} [الأعراف: 144] وكقوله عن بني إسرائيل: {ولقد اخترناهم على علم على العالمين} [الدخان: 32] . ومعلوم أن إبراهيم، عليه السلام، أفضل من موسى، وأن محمدا صلى الله عليه وسلم، أفضل
#
