البداية والنهاية — ج 2
الحافظ ابن كثير • التاريخ والتراجم • ج2 ص439
تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
في فنون العبادات، وظهر عليها من الأحوال ما غبطها به زكريا، عليه السلام، وأنها خاطبتها الملائكة بالبشارة لها باصطفاء الله لها، وبأنه سيهب لها ولدا زكيا، يكون نبيا كريما طاهرا مكرما، مؤيدا بالمعجزات، فتعجبت من وجود ولد من غير والد ; لأنها لا زوج لها، ولا هي ممن تتزوج، فأخبرتها الملائكة بأن الله قادر على ما يشاء، إذا قضى أمرا فإنما يقول له: كن. فيكون ; فاستكانت لذلك وأنابت وسلمت لأمر الله وعلمت أن هذا فيه محنة عظيمة لها ; فإن الناس يتكلمون فيها بسببه، لأنهم لا يعلمون حقيقة الأمر، وإنما ينظرون إلى ظاهر الحال من غير تدبر ولا تعقل، وكانت إنما تخرج من المسجد في زمن حيضها، أو لحاجة ضرورية لا بد منها ; من استقاء ماء أو تحصيل غذاء، فبينما هي يوما قد خرجت لبعض شئونها وانتبذت أي انفردت وحدها شرقي المسجد الأقصى، إذ بعث الله إليها الروح الأمين، جبريل عليه السلام {فتمثل لها بشرا سويا} [مريم: 17] فلما رأته {قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا} [مريم: 18] قال أبو العالية: علمت أن التقي ذو نهية. وهذا يرد قول من زعم أنه كان في بني إسرائيل رجل فاسق مشهور بالفسق، اسمه تقي، فإن هذا قول باطل بلا دليل، وهو من أسخف الأقوال. {قال إنما أنا رسول ربك} [مريم: 19] أي خاطبها الملك قائلا: إنما أنا رسول ربك، أي: لست ببشر ولكني ملك بعثني الله إليك {لأهب لك غلاما زكيا} [مريم: 19] أي ولدا زكيا. {قالت أنى يكون لي غلام} [مريم: 20] أي: كيف يكون لي غلام، أو يوجد لي ولد،
#
