البداية والنهاية — ج 2
الحافظ ابن كثير • التاريخ والتراجم • ج2 ص480
تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
يعني الإنجيل والتوراة والحكمة، {وإذ كففت بني إسرائيل عنك} [المائدة: 110] . وإذ جعلت المساكين لك بطانة وصحابة وأعوانا ترضى بهم، وصحابة وأعوانا يرضون بك هاديا وقائدا إلى الجنة، فذلك - فاعلم - خلقان عظيمان، من لقيني بهما فقد لقيني بأزكى الخلائق وأرضاها عندي، وسيقول لك بنو إسرائيل: صمنا فلم يتقبل صيامنا، وصلينا فلم يقبل صلاتنا، وتصدقنا فلم يقبل صدقاتنا، وبكينا بمثل حنين الجمال فلم يرحم بكاءنا. فقل لهم: ولم ذلك؟ وما الذي يمنعني، أن ذات يدي قلت؟! أوليس خزائن السماوات والأرض بيدي أنفق منها كيف أشاء، أو أن البخل يعتريني؟ أولست أجود من سئل وأوسع من أعطى؟ أو أن رحمتي ضاقت؟ وإنما يتراحم المتراحمون بفضل رحمتي، ولولا أن هؤلاء القوم، يا عيسى ابن مريم، عدوا أنفسهم بالحكمة التي تورث في قلوبهم ما استأثروا به الدنيا أثرة على الآخرة، لعرفوا من أين أتوا، وإذا لأيقنوا أن أنفسهم هي أعدى الأعداء لهم، وكيف أقبل صيامهم وهم يتقوون عليه بالأطعمة الحرام؟! وكيف أقبل صلاتهم وقلوبهم تركن إلى الذين يحاربوني ويستحلون محارمي؟! وكيف أقبل صدقاتهم وهم يغصبون الناس عليها، فيأخذونها من غير حلها؟! يا عيسى، إنما أجزي عليها أهلها، وكيف أرحم بكاءهم وأيديهم تقطر من دماء الأنبياء، ازددت عليهم غضبا، يا عيسى، وقضيت يوم خلقت السماوات والأرض أنه من عبدني وقال فيكما بقولي، أن أجعلهم جيرانك في الدار، ورفقاءك في المنازل، وشركاءك في الكرامة،
#
