البداية والنهاية — ج 7
الحافظ ابن كثير • التاريخ والتراجم • ج7 ص189
تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
ذهب إلى أهل مكة فاستنفرهم فجاءوا عام أحد فكان من أمرهم ما قدمناه، فلما لم ينهض أمره ذهب إلى ملك الروم قيصر ; ليستنصره على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أبو عامر على دين هرقل ممن تنصر معهم من العرب، وكان يكتب إلى إخوانه الذين نافقوا يعدهم ويمنيهم، وما يعدهم الشيطان إلا غرورا، فكانت مكاتباته ورسله تفد إليهم كل حين، فبنوا هذا المسجد في الصورة الظاهرة، وباطنه دار حرب ومقر لمن يفد من عند أبي عامر الراهب ومجمع لمن هو على طريقتهم من المنافقين، ولهذا قال تعالى: {وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل} [التوبة: 107] . ثم قال: {وليحلفن} [التوبة: 107] . أي الذين بنوه {إن أردنا إلا الحسنى} [التوبة: 107] أي إنما أردنا ببنائه الخير. قال الله تعالى: {والله يشهد إنهم لكاذبون} [التوبة: 107] . ثم قال الله تعالى لرسوله: {لا تقم فيه أبدا} [التوبة: 108] فنهاه عن القيام فيه لئلا يقرر أمره، ثم أمره وحثه على القيام في المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم، وهو مسجد قباء لما دل عليه السياق، والأحاديث الواردة في الثناء على تطهير أهله مشيرة إليه، وما ثبت في " صحيح مسلم " من أنه مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينافي ما تقدم ; لأنه إذا كان مسجد قباء أسس على التقوى من أول يوم فمسجد الرسول أولى بذلك وأحرى، وأثبت في الفضل منه وأقوى، وقد أشبعنا القول في ذلك في " التفسير " ولله الحمد.
والمقصود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل بذي أوان دعا مالك بن الدخشم ومعن بن عدي - أو أخاه عاصم بن عدي - رضي الله عنهما، فأمرهما أن يذهبا إلى هذا
#
