البداية والنهاية — ج 9
الحافظ ابن كثير • التاريخ والتراجم • ج9 ص114
تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
[ما أخبر به صلى الله عليه وسلم من الكائنات المستقبلة في حياته وبعده]
باب ما أخبر به صلى الله عليه وسلم من الكائنات المستقبلة في حياته وبعده، فوقعت طبق ما أخبر به سواء بسواء
[إخبار بالغيوب المستقبلة]
وهذا باب عظيم لا يمكن استقصاء جميع ما فيه لكثرتها، ولكن نحن نشير إلى طرف منه، وبالله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم، وذلك منتزع من القرآن ومن الأحاديث.
أما القرآن فقال تعالى في سورة " المزمل " وهي من أوائل ما نزل بمكة: {علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله} [المزمل: 20] . ومعلوم أن الجهاد لم يشرع إلا بالمدينة بعد الهجرة.
وقال تعالى في سورة " اقتربت "، وهي مكية {أم يقولون نحن جميع منتصر سيهزم الجمع ويولون الدبر} [القمر: 44]
[القمر: 45، 44] . ووقع هذا يوم بدر، وقد تلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو خارج من العريش، ورماهم بقبضة من الحصباء، فكان النصر والظفر، وهذا مصداق ذاك.
وقال تعالى: {تبت يدا أبي لهب وتب ما أغنى عنه ماله وما كسب سيصلى نارا ذات لهب وامرأته حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد قل هو} [المسد: 1]
[سورة المسد] . فأخبر أن عمه عبد العزى بن عبد المطلب الملقب بأبي لهب سيدخل النار هو وامرأته، فقدر الله عز وجل، أنهما ماتا على شركهما لم يسلما، حتى ولا ظاهرا، وهذا من دلائل النبوة الباهرة.
وقال تعالى: {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا} [الإسراء: 88] . وقال تعالى في سورة البقرة: {وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا} [البقرة: 23] الآية [البقرة: 23، 24] . فأخبر أن جميع الخليقة لو اجتمعوا وتعاضدوا وتناصروا وتعاونوا على أن يأتوا بمثل هذا القرآن في فصاحته، وبلاغته، وحلاوته، وإحكام أحكامه، وبيان حلاله وحرامه، وغير ذلك من وجوه إعجازه، لما استطاعوا ذلك، ولما قدروا عليه، ولا على عشر سور منه، بل ولا سورة، وأخبر أنهم لن يفعلوا ذلك أبدا، و " لن " لنفي التأبيد في المستقبل، ومثل هذا التحدي، وهذا القطع، وهذا الإخبار الجازم، لا يصدر إلا عن واثق بما يخبر به، عالم بما يقوله، قاطع بأن أحدا لا يمكنه أن يعارضه، ولا يأتي بمثل ما جاء به عن ربه، عز وجل.
وقال تعالى: {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا} [النور: 55] الآية [النور: 55] . وهكذا وقع سواء بسواء; مكن الله هذا الدين وأظهره وأعلاه ونشره في سائر الآفاق، وأنفذه
#
