البداية والنهاية — ج 9
الحافظ ابن كثير • التاريخ والتراجم • ج9 ص404
تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
تشتاق إلى الحج؟ قال: بلى، لو أصبت لي أصحابا. قال فقالوا: نحن أصحابك. قال: لستم لي بأصحاب، إنما أصحابي قوم لا يريدون الزاد ولا المزاد. فقالوا: سبحان الله، وكيف يسافر قوم بلا زاد ولا مزاد؟ ! قال لهم: ألا ترون إلى الطير تغدو وتروح بلا زاد ولا مزاد، والله يرزقها، وهي لا تبيع ولا تشتري، ولا تحرث ولا تزرع، والله يرزقها؟ قال: فقالوا: فإنا نسافر معك. قال: تهيئوا على بركة الله تعالى. قال: فغدوا من غوطة دمشق، ليس معهم زاد ولا مزاد، فلما انتهوا إلى المنزل قالوا: يا أبا مسلم، طعام لنا وعلف لدوابنا. قال: فقال لهم: نعم. فتنحى غير بعيد، فتسنم مسجد أحجار فصلى فيه ركعتين، ثم جثا على ركبتيه فقال: إلهي، قد تعلم ما أخرجني من منزلي، وإنما خرجت زائرا لك، وقد رأيت البخيل من ولد آدم تنزل به العصابة من الناس فيوسعهم قرى، وإنا أضيافك وزوارك، فأطعمنا واسقنا، واعلف دوابنا. قال: فأتي بسفرة مدت بين أيديهم، وجيء بجفنة من ثريد تبخر، وجيء بقلتين من ماء، وجيء بالعلف لا يدرون من يأتي به، فلم تزل تلك حالهم منذ خرجوا من عند أهاليهم حتى رجعوا، لا يتكلفون زادا ولا مزادا.
فهذه حال ولي من هذه الأمة، نزل عليه وعلى أصحابه كل يوم مائدة مرتين، مع ما يضاف إليها من الماء والعلوفة لدواب أصحابه، وهذا اعتناء عظيم، وإنما نال ذلك ببركة متابعته لهذا النبي الكريم، عليه أفضل الصلاة والتسليم.
#
