البداية والنهاية — ج 13
الحافظ ابن كثير • التاريخ والتراجم • ج13 ص145
تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
وكلكم الله به فتضيعونه، وأما ما تكفل الله لكم به فتطلبونه! ما هكذا نعت الله عباده الموقنين، أذوو عقول في الدنيا وبله عما خلقتم له؟ ! فكما ترجون رحمة الله بما تؤدون من طاعته، فكذلك أشفقوا من عذابه بما تنتهكون من معاصيه، عباد الرحمن، هل جاءكم مخبر يخبركم أن شيئا من أعمالكم تقبل منكم؟ أو شيئا من خطاياكم غفر لكم؟ {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون} [المؤمنون: 115] والله لو عجل لكم الثواب في الدنيا لاستقللتم ما فرض عليكم، أترغبون في طاعة الله لتعجيل دار مغمورة بالآفات، ولا ترغبون وتنافسون في جنة {أكلها دائم وظلها تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار} [الرعد: 35] ؟ !
وقال أيضا: الذكر ذكران ; ذكر الله باللسان حسن جميل، وذكر الله عند ما أحل وحرم أفضل، عباد الرحمن، يقال لأحدنا: تحب أن تموت؟ فيقول: لا. فيقال: لم؟ فيقول: حتى أعمل. فيقال له: اعمل. فيقول: سوف. فلا يحب أن يموت، ولا يحب أن يعمل، وأحب شيء إليه أن يؤخر عمل الله عز وجل، ولا يحب أن يؤخر عنه عرض دنياه، عباد الرحمن، إن العبد ليعمل الفريضة الواحدة من فرائض الله عز وجل، وقد أضاع ما سواها، فما يزال يمنيه الشيطان فيها ويزين له حتى ما يرى شيئا دون الجنة، فقبل أن تعملوا أعمالكم فانظروا ماذا تريدون بها، فإن كانت خالصة لله عز وجل فأمضوها، وإن كانت لغير الله فلا تشقوا على أنفسكم، فلا شيء لكم، فإن الله لا يقبل
#
