البداية والنهاية — ج 16
الحافظ ابن كثير • التاريخ والتراجم • ج16 ص26
تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
يقول: {لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون} [الحجر: 72] فالتقاه السلطان ألب أرسلان في جيشه وهم قريب من عشرين ألفا بمكان يقال له الرهوة في يوم الأربعاء لخمس بقين من ذي القعدة، وخاف من كثرة المشركين، فأشار عليه الفقيه أبو نصر محمد بن عبد الملك البخاري بأن يكون وقت الوقعة يوم الجمعة بعد الزوال، حين يكون الخطباء يدعون للمجاهدين، فلما تواجه الفئتان نزل السلطان عن فرسه، وسجد لله عز وجل ومرغ وجهه في التراب ودعا الله واستنصره، فأنزل نصره على المسلمين ومنحهم أكتاف المشركين فقتلوا منهم خلقا كثيرا لا يحصون كثرة، وأسر ملكهم أرمانوس، أسره غلام رومي، فأمره السلطان، وأعطاه شيئا كثيرا وقد كان هذا الغلام عرض على نظام الملك الوزير في جملة تقدمة، فلم يقبله فقال له سيده: إنه. . . وإنه. . . يثني عليه فرده، وقال كهيئة المستهزئ به: لعله يجيئنا بملك الروم أرمانوس أسيرا، فوقع الأمر كما قال، فلله الحمد والمنة.
فلما أوقف أرمانوس بين يدي الملك ألب أرسلان ضربه بيده ثلاث مقارع، وقال: لو كنت أنا الأسير بين يديك ماذا كنت تفعل؟ قال: كل قبيح. قال فما ظنك بي؟ قال: تقتلني أو تشهرني في بلادك، فأما العفو وأخذ الفداء فبعيد، فقال: ما عزمت على غير العفو والفداء، فافتدى نفسه منه بألف ألف دينار وخمسمائة ألف دينار، وأن يطلق كل أسير في بلاد الروم، وعلى هدنة خمسين سنة، يحمل فيها عن كل يوم ألف دينار، وقام بين يدي الملك فسقاه شربة من ماء، وقبل الأرض بين يديه، وإلى نحو جهة الخليفة إجلالا وإكراما،
#
