البداية والنهاية — ج 17
الحافظ ابن كثير • التاريخ والتراجم • ج17 ص92
تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
فساقوا في طلبه، فأدركوه وبينهم وبينه نهر جيحون، وهو آمن بسببه، فلم يجدوا سفنا، فعملوا لهم أحواضا يحملون عليها الأسلحة، ويرسل أحدهم فرسه، ويأخذ بذنبها، فتجره الفرس بالماء، وهو يجر الحوض الذي فيه سلاحه، حتى صاروا كلهم في الجانب الآخر، فلم يشعر بهم خوارزم شاه إلا وقد خالطوه، فهرب منهم إلى نيسابور، ثم منها إلى غيرها، وهم في أثره لا يمهلونه حتى يجمع لهم، فصار كلما أتى بلدا ليجتمع فيه عساكره يدركونه، فيهرب منهم، حتى ركب في بحر طبرستان، وسار إلى قلعة في جزيرة فيه، فكانت فيها وفاته.
وقيل: إنه لا يعرف بعد ركوبه في البحر ما كان من أمره، بل ذهب فلا يدرى أين ذهب ولا كيف سلك، ولا إلى أي مفر هرب. وملكت التتار حواصله، فوجدوا في خزانته عشرة آلاف ألف دينار، وألف حمل من الأطلس، وعشرين ألف فرس وبغل، ومن الغلمان والجواري والخيام شيئا كثيرا، وكان له عشرة آلاف مملوك، كل واحد مثل ملك، فتمزق ذلك كله في أقل من سنة، وقد كان خوارزم شاه فقيها حنفيا فاضلا، له مشاركات في فنون من العلم، يفهم جيدا، وملك بلادا متسعة وممالك متعددة إحدى وعشرين سنة وشهورا، ولم يكن بعد ملوك بني سلجوق أكبر حرمة ولا أعظم ملكا منه; لأنه إنما كانت همته في الملك لا في اللذات والشهوات، ولذلك قهر الملوك بتلك الأراضي، وأحل بالخطا بأسا شديدا، حتى لم يبق ببلاد خراسان وما وراء النهر، وكذلك عراق العجم وغيرها من الممالك سلطان سواه، وجميع البلاد تحت يد نوابه. ثم ساروا إلى مازندران، وقلاعها من أمنع القلاع، بحيث إن المسلمين لم
#
