البداية والنهاية — ج 17
الحافظ ابن كثير • التاريخ والتراجم • ج17 ص94
تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
في وقت كل من فيه يعلم هذه الحادثة، قد استوى في معرفتها العالم والجاهل لشهرتها، يسر الله للمسلمين والإسلام من يحفظهم ويحوطهم، فلقد دفعوا من العدو إلى عظيم، ومن الملوك المسلمين إلى من لا تتعدى همته بطنه وفرجه، وقد عدم سلطان المسلمين خوارزم شاه.
قال: وانقضت هذه السنة وهم في بلاد الكرج، فلما رأوا منهم ممانعة ومقاتلة يطول عليهم بها المطال عدلوا إلى غيرهم، وكذلك كانت عادتهم، فساروا إلى تبريز فصالحهم أهلها بمال. ثم ساروا إلى مراغة، فحصروها ونصبوا عليها المجانيق، وتترسوا بالأسارى من المسلمين، وعلى البلد امرأة، و «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» ففتحوا البلد بعد أيام، وقتلوا من أهله خلقا لا يعلم عدتهم إلا الله عز وجل، وغنموا منه شيئا كثيرا، وسبوا وأسروا على عادتهم، لعنهم الله لعنة تدخلهم نار جهنم، وقد كان الناس يخافون منهم خوفا عظيما جدا حتى إنه دخل رجل منهم إلى درب من هذه البلد وبه مائة رجل لم يستطع واحد منهم أن يتقدم إليه، وما زال يقتلهم واحدا بعد واحد حتى قتل الجميع، ولم يرفع منهم أحد يده إليه، ونهب ذلك الدرب وحده. ودخلت امرأة منهم في زي رجل بيتا، فقتلت كل من في ذلك البيت وحدها، ثم استشعر أسير معها أنها امرأة، فقتلها، لعنها الله.
ثم قصدوا مدينة إربل، فضاق المسلمون لذلك ذرعا، وقال أهل تلك النواحي: هذا أمر عصيب. وكتب الخليفة إلى أهل الموصل والملك الأشرف صاحب الجزيرة يقول: إني قد جهزت عسكرا، فكونوا معه لقتال هؤلاء التتر.
#
