بداية المجتهد ونهاية المقتصد
ابن رشد الحفيد • الفقه • ج1 ص135
دار الحديث - القاهرة
فسلم فأمره بالرجوع، فعل ذلك ثلاث مرات، فقال: والذي بعثك بالحق ما أحسن غيره، فقال - عليه الصلاة والسلام -: إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعا، ثم ارفع حتى تعتدل قائما، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى تستوي قائما، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها» وأما المعارض لهذا فحديثان ثابتان متفق عليهما: أحدهما: حديث عبادة بن الصامت أنه - عليه الصلاة والسلام - قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» وحديث أبي هريرة أيضا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج، فهي خداج، فهي خداج ثلاثا» وحديث أبي هريرة المتقدم ظاهره أنه يجزئ من القراءة في الصلاة ما تيسر من القرآن، وحديث عبادة وحديث أبي هريرة الثاني يقتضيان أن أم القرآن شرط في الصلاة، وظاهر قوله تعالى: {فاقرءوا ما تيسر منه} [المزمل: 20] يعضد حديث أبي هريرة المتقدم، والمختلفون في هذه المسألة إما أن يكونوا ذهبوا في تأويل هذه الأحاديث مذهب الجمع، وإما أن يكونوا ذهبوا مذهب الترجيح، وعلى كلا القولين يتصور هذا المعنى، وذلك أنه من ذهب مذهب من أوجب قراءة ما تيسر من القرآن له أن يقول هذا أرجح ; لأن ظاهر الكتاب يوافقه، وله أن يقول على طريق الجمع إنه يمكن أن يكون حديث عبادة المقصود به نفي الكمال لا نفي الإجزاء، وحديث أبي هريرة المقصود منه الإعلام بالمجزئ من القراءة، إذا كان المقصود منه تعليم فرائض الصلاة.
ولأولئك أيضا أن يذهبوا هذين المذهبين بأن يقولوا هذه الأحاديث أوضح ; لأنها أكثر، وأيضا فإن حديث أبي هريرة المشهور يعضده، وهو الحديث الذي فيه يقول الله تعالى: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين: نصفها لي، ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل، يقول العبد الحمد لله رب العالمين، يقول الله حمدني عبدي» الحديث،
#
