بداية المجتهد ونهاية المقتصد
ابن رشد الحفيد • الفقه • ج1 ص151
دار الحديث - القاهرة
ومما يقوي هذا حديث أبي هريرة المتفق على صحته، وهو " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب فيحطب، ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها، ثم آمر رجلا فيؤم الناس، ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم، والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عظما سمينا أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء» وحديث ابن مسعود، وقال فيه «إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علمنا سنن الهدى، وإن من سنن الهدى الصلاة في المسجد الذي يؤذن فيه " وفي بعض رواياته " ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم» ، فسلك كل واحد من هذين الفريقين مسلك الجمع بتأويل حديث مخالفه، وصرفه إلى ظاهر الحديث الذي تمسك به.
فأما أهل الظاهر فإنهم قالوا: إن المفاضلة لا يمنع أن تقع في الواجبات أنفسها، أي إن صلاة الجماعة في حق من فرضه صلاة الجماعة تفضل صلاة المنفرد في حق من سقط عنه وجوب صلاة الجماعة لمكان العذر بتلك الدرجات المذكورة.
قالوا: وعلى هذا فلا تعارض بين الحديثين، واحتجوا لذلك بقوله - عليه الصلاة والسلام -: «صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم» وأما أولئك فزعموا أنه يمكن أن يحمل حديث الأعمى على نداء يوم الجمعة، إذ ذلك هو النداء الذي يجب على من سمعه الإتيان إليه باتفاق وهذا فيه بعد والله أعلم ; لأن نص الحديث هو أن أبا هريرة قال: «أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - رجل أعمى، فقال: يا رسول الله إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول الله أن يرخص له، فيصلي في بيته، فرخص له، فلما ولى دعاه فقال: هل تسمع النداء بالصلاة. فقال: نعم، قال: فأجب» وظاهر هذا يبعد أن يفهم منه نداء الجمعة، مع أن الإتيان إلى صلاة الجمعة واجب على كل من كان في المصر وإن لم يسمع النداء، ولا أعرف في ذلك خلافا. وعارض هذا الحديث أيضا حديث عتبان بن مالك المذكور في الموطأ، وفيه أن عتبان بن مالك كان يؤم وهو أعمى، وأنه قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - «إنه تكون الظلمة والمطر، والسيل، وأنا رجل ضرير البصر فصل يا رسول الله في بيتي مكانا أتخذه مصلى، فجاءه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: أين تحب أن أصلي فأشار إلى مكان من البيت، فصلى فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» .
#
