شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

بداية المجتهد ونهاية المقتصد

ابن رشد الحفيد • الفقه • ج1 ص179

دار الحديث - القاهرة

القصر لا يجوز إلا للخائف لقوله تعالى: {إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا} [النساء: 101] ، وقد قيل إنه مذهب عائشة وقالوا: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما قصر ; لأنه كان خائفا.

أما اختلاف أولئك الذين اعتبروا المشقة فسببه اختلاف الصحابة في ذلك، وذلك أن مذهب الأربعة برد روي عن ابن عمر، وابن عباس، ورواه مالك، ومذهب الثلاثة أيام مروي أيضا عن ابن مسعود، وعثمان، وغيرهما.

وأما الموضع الثالث وهو اختلافهم في نوع السفر الذي تقصر فيه الصلاة، فرأى بعضهم أن ذلك مقصور على السفر المتقرب به كالحج والعمرة والجهاد، وممن قال بهذا القول أحمد.

ومنهم من أجازه في السفر المباح دون سفر المعصية، وبهذا القول قال مالك والشافعي. ومنهم من أجازه في كل سفر قربة كان أو مباحا أو معصية وبه قال أبو حنيفة، وأصحابه، والثوري، وأبو ثور.

والسبب في اختلافهم: معارضة المعنى المعقول أو ظاهر اللفظ لدليل الفعل، وذلك أن من اعتبر المشقة أو ظاهر لفظ السفر لم يفرق بين سفر وسفر. وأما من اعتبر دليل الفعل قال: إنه لا يجوز إلا في السفر المتقرب به ; «لأن النبي - عليه الصلاة والسلام - لم يقصر قط إلا في سفر متقرب به» . وأما من فرق بين المباح والمعصية فعلى جهة التغليظ، والأصل فيه: هل تجوز الرخصة للعصاة أم لا؟ وهذه مسألة عارض فيها اللفظ المعنى، فاختلف الناس فيها لذلك.

وأما الموضع الرابع: وهو اختلافهم في الموضع الذي منه يبدأ المسافر بقصر الصلاة، فإن مالكا قال في الموطأ: لا يقصر الصلاة الذي يريد السفر حتى يخرج من بيوت القرية ولا يتم حتى يدخل أول بيوتها. وقد روي عنه أنه لا يقصر إذا كانت قرية جامعة حتى يكون منها بنحو ثلاثة أميال، وذلك عنده أقصى ما يجب فيه الجمعة على من كان خارج المصر في إحدى الروايتين عنه، وبالقول الأول قال الجمهور.

والسبب في هذا الاختلاف: معارضة مفهوم الاسم لدليل الفعل، وذلك أنه إذا شرع في السفر فقد انطلق عليه اسم مسافر فمن راعى مفهوم الاسم قال: إذا خرج من بيوت القرية قصر. ومن راعى دليل الفعل (أعني فعله - عليه الصلاة والسلام -) قال: لا يقصر إلا إذا خرج من بيوت القرية بثلاثة أميال لما صح من حديث أنس قال: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا خرج مسيرة أميال أو ثلاثة فراسخ - شعبة الشاك - صلى ركعتين» .

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية