شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

بداية المجتهد ونهاية المقتصد

ابن رشد الحفيد • الفقه • ج1 ص208

دار الحديث - القاهرة

وقالت طائفة: إنه ليس عليه إذا شك لا رجوع إلى يقين ولا تحر، وإنما عليه السجود فقط إذا شك.

والسبب في اختلافهم: تعارض ظواهر الآثار الواردة في هذا الباب، وذلك أن في هذا الباب ثلاثة آثار: أحدها: حديث بالبناء على اليقين، وهو حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى أثلاثا أم أربعا فليطرح الشك، وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن كان صلى خمسا شفعن له صلاته، وإن كان صلى إتماما لأربع كانتا ترغيما للشيطان» . خرجه مسلم.

والثاني: حديث ابن مسعود أن النبي - عليه الصلاة والسلام - قال: «إذا سها أحدكم في صلاته فليتحر، وليسجد سجدتين» . وفي رواية أخرى عنه: «فلينظر أحرى ذلك إلى الصواب، ثم ليسلم ثم ليسجد سجدتي السهو ويتشهد ويسلم» .

والثالث حديث أبي هريرة خرجه مالك والبخاري أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن أحدكم إذا قام يصلي جاءه الشيطان، فلبس عليه حتى لا يدري كم صلى، فإذا وجد ذلك أحدكم فليسجد سجدتين وهو جالس» . وفي هذا المعنى أيضا حديث عبد الله بن جعفر، خرجه أبو داود أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من شك في صلاته فليسجد سجدتين بعدها ويسلم» .

فذهب الناس في هذه الأحاديث مذهب الجمع ومذهب الترجيح، والذين ذهبوا مذهب الترجيح منهم من لم يلتفت إلى المعارض، ومنهم من رام تأويل المعارض وصرفه إلى الذي رجح، ومنهم من جمع بين بعضها وأسقط حكم البعض.

فأما من ذهب مذهب الجمع في بعض والترجيح في بعض مع تأويل غير المرجح وصرفه إلى المرجح: فمالك بن أنس، فإنه حمل حديث أبي سعيد الخدري على الذي لم يستنكحه الشك، وحمل حديث أبي هريرة على الذي يغلب عليه الشك ويستنكحه، وذلك من باب الجمع، وتأول حديث ابن مسعود على أن المراد بالتحري هنالك هو الرجوع إلى اليقين، فأثبت على مذهبه الأحاديث كلها. وأما من ذهب مذهب الجمع بين بعضها وإسقاط البعض وهو الترجيح من غير تأويل المرجح عليه: فأبو حنيفة، فإنه قال: إن حديث أبي سعيد

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية