شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

بداية المجتهد ونهاية المقتصد

ابن رشد الحفيد • الفقه • ج1 ص212

دار الحديث - القاهرة

نضرة العوفي أن أبا سعيد أخبرهم «أنهم سألوا النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الوتر فقال: " الوتر قبل الصبح» .

واختلفوا في جواز صلاته بعد الفجر، فقوم منعوا ذلك وقوم أجازوه ما لم يصل الصبح، وبالقول الأول: قال أبو يوسف ومحمد بن الحسن صاحبا أبي حنيفة وسفيان الثوري، وبالثاني: قال الشافعي ومالك وأحمد.

وسبب اختلافهم: معارضة عمل الصحابة في ذلك بالآثار، وذلك أن ظاهر الآثار الواردة في ذلك أن لا يجوز أن يصلي بعد الصبح كحديث أبي نضرة المتقدم، وحديث أبي حذيفة العدوي في هذا خرجه أبو داود وفيه: «وجعلها لكم ما بين صلاة العشاء إلى أن يطلع الفجر» . ولا خلاف بين أهل الأصول أن ما بعد (إلى) بخلاف ما قبلها إذا كانت غاية، وأن هذا، وإن كان من باب دليل الخطاب، فهو من أنواعه المتفق عليها، مثل قوله: {ثم أتموا الصيام إلى الليل} [البقرة: 187] وقوله: {إلى المرافق} [المائدة: 6] لا خلاف بين العلماء أن ما بعد الغاية بخلاف الغاية.

وأما العمل المخالف في ذلك للأثر: فإنه روي عن ابن مسعود وابن عباس وعبادة بن الصامت وحذيفة وأبي الدرداء وعائشة أنهم كانوا يوترون بعد الفجر وقبل صلاة الصبح، ولم يرو عن غيرهم من الصحابة خلاف هذا; وقد رأى قوم أن مثل هذا هو داخل في باب الإجماع، ولا معنى لهذا، فإنه ليس ينسب إلى ساكت قول قائل - أعني: أنه ليس ينسب إلى الإجماع من لم يعرف له قول في المسألة -. وأما هذه المسألة فكيف يصح أن يقال: إنه لم يرو في ذلك خلاف عن الصحابة، وأي خلاف أعظم من خلاف الصحابة الذين رووا هذه الأحاديث - أعني: خلافهم لهؤلاء الذين أجازوا صلاة الوتر بعد الفجر.

والذي عندي في هذا أن هذا من فعلهم ليس مخالفا الآثار الواردة في ذلك، (أعني: في إجازتهم الوتر بعد الفجر) ، بل إجازتهم ذلك هو من باب القضاء لا من باب الأداء، وإنما يكون قولهم خلاف الآثار لو جعلوا صلاته بعد الفجر من باب الأداء، فتأمل هذا.

وإنما يتطرق الخلاف لهذه المسألة من باب اختلافهم في هل القضاء في العبادة المؤقتة يحتاج إلى أمر جديد أم لا؟ - أعني: غير أمر الأداء -، وهذا التأويل بهم أليق، فإن أكثر ما نقل عنهم هذا المذهب من أنهم أبصروا يقضون الوتر قبل الصلاة وبعد الفجر، وإن كان الذي نقل عن ابن مسعود في ذلك قولا - أعني: أنه كان يقول: إن وقت الوتر من بعد العشاء الآخرة إلى صلاة الصبح -، فليس

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية