بداية المجتهد ونهاية المقتصد
ابن رشد الحفيد • الفقه • ج2 ص34
دار الحديث - القاهرة
وعموم قوله - عليه الصلاة والسلام -: «لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول» يقتضي أن لا يضاف مال إلى مال إلا بدليل، وكأن أبا حنيفة اعتمد في هذا قياس الناض على الماشية، ومن أصله الذي يعتمده في هذا الباب أنه ليس من شرط الحول أن يوجد المال نصابا في جميع أجزائه، بل أن يوجد نصابا في طرفيه فقط وبعضا منه في كله، فعنده أنه إذا كان مال في أول الحول نصابا، ثم هلك بعضه فصار أقل من نصاب، ثم استفاد مالا في آخر الحول صار به نصابا أنه تجب فيه الزكاة، وهذا عنده موجود في هذا المال؛ لأنه لم يستكمل الحول، وهو في جميع أجزائه مال واحد بعينه، بل زاد ولكن ألفي في طرفي الحول نصابا، والظاهر أن الحول الذي اشترط في المال إنما هو في مال معين لا يزيد ولا ينقص لا بربح ولا بفائدة ولا بغير ذلك، إذ كان المقصود بالحول هو كون المال فضلة مستغنى عنه، وذلك أن ما بقي حولا عند المالك لم يتغير عنده فليس به حاجة إليه، فجعل فيه الزكاة، فإن الزكاة إنما هي فضول الأموال.
وأما من رأى أن اشتراط الحول في المال إنما سببه النماء فواجب عليه أن يقول: تضم الفوائد فضلا عن الأرباح إلى الأصول، وأن يعتبر النصاب في طرفي الحول ماشية تجب فيها الزكاة ثم باعها وأبدلها في آخر الحول بماشية من نوعها أنها تجب فيها الزكاة، فكأنه اعتبر أيضا طرفي الحول على مذهب أبي حنيفة، وأخذ أيضا ما اعتمده أبو حنيفة في فائدة الناض القياس على فائدة الماشية على ما قلناه.
وأما المسألة الرابعة وهي اعتبار حول الدين إذا قلنا إن فيه الزكاة -: فإن قوما قالوا: يعتبر ذلك فيه من أول ما كان دينا يزكيه لعدة ذلك، إن كان حولا فحول، وإن كان أحوالا فأحوال - أعني: أنه إن كان حولا تجب فيه زكاة واحدة، وإن أحوالا وجبت فيه الزكاة لعدة تلك الأحوال. -
وقوم قالوا: يزكيه لعام واحد، وإن أقام الدين أحوالا عند الذي عنده الدين.
وقوم قالوا: يستقبل به الحول.
ومن قال: فيه الزكاة بعدد الأحوال التي أقام فمصيرا إلى تشبيه الدين بالمال الحاضر.
وأما من قال: الزكاة فيه لحول واحد وإن أقام أحوالا، فلا أعرف له مستندا في وقتي هذا، لأنه لا يخلو ما دام دينا أن يقول: إن فيه زكاة أو لا يقول ذلك، فإن لم يكن فيه زكاة فلا كلام بل يستأنف به، وإن كان فيه زكاة فلا يخلو أن يشترط فيها الحول أو لا يشترط ذلك،
#
