شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الفقيه والمتفقه

الخطيب البغدادي • أصول الفقه • ج1 ص205

تحقيق: أبو عبد الرحمن عادل بن يوسف الغرازي — دار ابن الجوزي - السعودية

أنا أبو بكر البرقاني , قال: قرأت على أبي العباس محمد بن أحمد بن حمدان , حدثكم محمد بن إبراهيم بن سعيد البوشنجي , نا أبو يعقوب يوسف بن عدي , نا عبيد الله بن عمرو الرقي , عن زيد بن أبي أنيسة , عن المنهال بن عمرو , عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس , قال سعيد: جاءه رجل , فقال: يا ابن عباس , إني أجد في القرآن أشياء تختلف علي , فقد وقع ذلك في

[ص: 206]

صدري؟ فقال ابن عباس: «أتكذيب؟» فقال الرجل: ما هو بتكذيب ولكن اختلاف، قال: «فهلم ما وقع في نفسك» فقال الرجل: أسمع الله تعالى يقول: {فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون} [المؤمنون: 101] , وقال في آية أخرى: {وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون} [الصافات: 27] , وقال في آية أخرى: {ولا يكتمون الله حديثا} [النساء: 42] , وقال في آية أخرى: {والله ربنا ما كنا مشركين} [الأنعام: 23] , فقد كتموا في هذه الآية، وفي قوله: {أم السماء بناها رفع سمكها فسواها وأغطش ليلها وأخرج ضحاها والأرض بعد ذلك دحاها} [النازعات: 28] , فذكر في هذه الآية خلق السماء قبل الأرض , وقال في الآية الأخرى: {أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين , وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين , ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين} [فصلت: 9] , فذكر في هذه الآية خلق الأرض قبل السماء , وقوله تعالى: {وكان الله غفورا رحيما} [النساء: 96] , {وكان الله عزيزا حكيما} [النساء: 158] , {وكان الله سميعا بصيرا} [النساء: 134] فإنه كان ثم انقضى؟ فقال ابن عباس: «هات ما في نفسك من هذا» فقال السائل: إذا أنبأتني بهذا فحسبي قال ابن عباس: قوله تعالى: " {فلا أنساب بينهم يومئذ ولا

[ص: 207]

يتساءلون} [المؤمنون: 101] , فهذا في النفخة الأولى , ينفخ في الصور , فيصعق من في السماوات ومن في الأرض , إلا من شاء الله , فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون , ثم إذا كانت النفخة الأخرى , قاموا فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون، وأما قول الله تعالى: {والله ربنا ما كنا مشركين} [الأنعام: 23] وقوله: {ولا يكتمون الله حديثا} [النساء: 42] , فإن الله تعالى يغفر يوم القيامة لأهل الإخلاص ذنوبهم , لا يتعاظم عليه ذنب أن يغفره , ولا يغفر شركا , فلما رأى المشركون ذلك قالوا: إن ربنا يغفر الذنوب ولا يغفر الشرك , تعالوا نقول إنا كنا أهل ذنوب , ولم نكن مشركين , فقال الله تعالى: أما إذ كتموا الشرك , فاختموا على أفواههم , فيختم على أفواههم , فتنطق أيديهم وأرجلهم بما كانوا يكسبون , فعند ذلك عرف المشركون أن الله لا يكتم حديثا , فذلك قوله تعالى: {يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا} [النساء: 42] وأما قوله: {أم السماء بناها رفع سمكها فسواها وأغطش ليلها وأخرج ضحاها والأرض بعد ذلك دحاها} [النازعات: 27] , فإنه خلق الأرض في يومين قبل خلق السماء , ثم استوى إلى السماء فسواهن في يومين آخرين , ثم نزل إلى الأرض فدحاها , ودحيها: أن أخرج منها الماء والمرعى وشق فيها الأنهار , وجعل فيها السبل , وخلق الجبال والرمال والأكوام وما فيها , في يومين آخرين فذلك قوله تعالى: {والأرض بعد ذلك دحاها} [النازعات: 30] , وقوله: {أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين , وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها

[ص: 208]

أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين} [فصلت: 9] فجعلت الأرض وما فيها من شيء في أربعة أيام , وجعلت السماوات في يومين وأما قوله تعالى: {وكان الله غفورا رحيما} [النساء: 96] , {وكان الله عزيزا حكيما} [النساء: 158] , {وكان الله سميعا بصيرا} [النساء: 134] فإن الله تعالى جعل نفسه ذلك , وسمى نفسه ذلك , ولم ينحله أحدا غيره , وكان الله: أي لم يزل كذلك " ثم قال ابن عباس: «احفظ عني ما حدثتك , واعلم أن ما اختلف عليك من القرآن أشباه ما حدثتك , فإن الله لم ينزل شيئا إلا قد أصاب به الذي أراد , ولكن الناس لا يعلمون , فلا يختلفن عليك القرآن , فإن كلا من عند الله عز وجل»

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية