الفقيه والمتفقه
الخطيب البغدادي • أصول الفقه • ج1 ص268
تحقيق: أبو عبد الرحمن عادل بن يوسف الغرازي — دار ابن الجوزي - السعودية
أنا أبو عبد الله أحمد بن عبد الله بن الحسين بن إسماعيل المحاملي , أنا أبو سهل أحمد بن محمد بن عبد الله القطان , نا إسماعيل بن إسحاق القاضي , نا علي هو ابن المديني , نا الوليد بن مسلم , نا الأوزاعي , حدثني يحيى بن أبي كثير , عن أبي سلمة , عن أبي هريرة , قال: لما فتح الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة , قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم , فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «إن الله تعالى حبس عن مكة الفيل , وسلط عليها رسوله والمؤمنين , وإنما أحلت لي ساعة من النهار , ثم هي حرام إلى يوم القيامة , لا يعضد شجرها ولا ينفر صيدها , ولا تحل لقطتها إلا لمنشد , ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين , إما أن يفدو وإما أن يقتل» فقام رجل يقال له أبو شاه من أهل اليمن , فقال: يا رسول الله , اكتبوا لي , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اكتبوا لأبي شاه» قال: فقام عباس - أو قال: قال عباس -: يا رسول الله: إلا الإذخر , فإنه لقبورنا ولبيوتنا , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إلا الإذخر»
[ص: 269]
قال الوليد: فقلت للأوزاعي: ما قوله: اكتبوا لأبي شاه؟ قال: يقول: اكتبوا له خطبته التي سمعها من النبي صلى الله عليه وسلم قال: فرأى النبي لله صلى الله عليه وسلم , من المصلحة إجابة العباس إلى إباحة قطع الإذخر وأبى من ذهب إلى القول الأول هذا المذهب , وقال: إنما أمر أن يحكم بما أراه تعالى من الوجوه المنزلة عليه في الكتاب فهذا معنى الآية وأما قصة العباس , فإنه إنما سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم مراجعة ربه في الإذخر , كما طلب موسى عليه السلام من النبي صلى الله عليه وسلم , ليلة المعراج مراجعة ربه في تخفيف الصلاة عن أمته فردت من خمسين إلى خمس , وكما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقرأ على حرف فراجع فيه مرة بعد مرة حتى رد إلى سبعة أحرف قال , فإن قيل: قد كان من النبي صلى الله عليه وسلم جواب العباس في الحال بلا زمان بين السؤال وبين الجواب يكون فيه الوحي بذلك الجواب , فإنا نقول: يحتمل أن يكون في لطيف قدرة الله تعالى مجيء الوحي بالجواب في ذلك الوقت , ويحتمل أن يكون جبريل حاضرا , فألقى
[ص: 270]
جبريل إليه الجواب في الحال , كما قال النبي صلى الله عليه وسلم , للذي سأله فقال: يا رسول الله أرأيت إن قتلت في سبيل الله صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر يكفر الله عني خطاياي؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم فلما ولى دعاه فقال له: «إلا أن يكون عليك دين كذلك قال لي جبريل» وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لحسان بن ثابت في هجائه المشركين: «اهجهم وجبريل معك» فإذا كان جبريل مع حسان لمهاجاته قريشا , فبأن يكون مع النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته التي يخبر فيها عن الله تعالى بشرائع الدين أولى وقال بعض أهل العلم: ألقى في روع النبي صلى الله عليه وسلم كل ما سنه واحتج بالحديث الذي:
#