الفقيه والمتفقه
الخطيب البغدادي • أصول الفقه • ج1 ص471
تحقيق: أبو عبد الرحمن عادل بن يوسف الغرازي — دار ابن الجوزي - السعودية
أنا الحسن بن علي التميمي , أنا أحمد بن جعفر بن حمدان , نا عبد الله بن أحمد بن حنبل , حدثني أبي , نا محمد بن جعفر , نا شعبة , عن أبي عون , عن الحارث بن عمرو ابن أخي المغيرة بن شعبة , عن ناس , من أصحاب معاذ , من أهل حمص , عن معاذ , أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بعثه إلى اليمن قال: «كيف تصنع إن عرض لك قضاء؟» قال: أقضي بما في كتاب الله قال: «فإن لم يكن في كتاب الله؟» قال: فبسنة رسول الله قال: «فإن لم يكن في سنة رسول الله؟» قال: أجتهد رأيي لا آلو قال: فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدري , ثم قال: «الحمد لله الذي وفق رسول
[ص: 472]
رسول الله لما يرضي رسول الله» أنا القاضي أبو عمر الهاشمي , نا محمد بن أحمد اللؤلؤي , نا أبو داود , نا مسدد , نا يحيى , عن شعبة , قال حدثني أبو عون , عن الحارث بن عمرو , عن ناس , من أصحاب معاذ , عن معاذ بن جبل , أن رسول الله صلى الله عليه وسلم , لما بعثه إلى اليمن , فذكر معناه فإن اعترض المخالف بأن قال: لا يصح هذا الخبر , لأنه يروى عن أناس من أهل حمص لم يسموا فهم مجاهيل , فالجواب: أن قول الحارث بن عمرو , عن أناس من أهل حمص من أصحاب معاذ , يدل على شهرة الحديث , وكثرة رواته , وقد عرف فضل معاذ وزهده , والظاهر من حال أصحابه الدين والثقة والزهد والصلاح , وقد قيل: إن عبادة بن نسي رواه عن عبد الرحمن بن غنم , عن معاذ , وهذا إسناد متصل , ورجاله معروفون بالثقة , على أن أهل العلم قد تقبلوه واحتجوا به , فوقفنا بذلك على صحته عندهم كما وقفنا على صحة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا وصية لوارث , وقوله في البحر: هو
[ص: 473]
الطهور ماؤه الحل ميتته , وقوله: إذا اختلف المتبايعان في الثمن والسلعة قائمة تحالفا وترادا البيع , وقوله: الدية على العاقلة , وإن كانت هذه الأحاديث لا تثبت من جهة الإسناد , لكن لما تلقتها الكافة عن الكافة غنوا بصحتها عندهم عن طلب الإسناد لها , فكذلك حديث معاذ , لما احتجوا به جميعا غنوا عن طلب الإسناد له فإن قال: هذا من أخبار الآحاد لا يصح الاحتجاج به في هذه المسألة فالجواب: أن هذا أشهر وأثبت من قوله صلى الله عليه وسلم
[ص: 474]
: لا تجتمع أمتي على ضلالة , فإذا احتج المخالف بذلك في صحة الإجماع , كان هذا أولى وجواب آخر , وهو: أن خبر الواحد جائز في هذه المسألة , لأنه إذا جاز تثبيت الأحكام الشرعية بخبر الواحد مثل: تحليل , وتحريم , وإيجاب , وإسقاط , وتصحيح , وإبطال , وإقامة حد بضرب , وقطع , وقتل , واستباحة فرج , وما أشبه ذلك , وكان القياس أولى , لأن القياس طريق لهذه الأحكام , وهي المقصودة دون الطريق وهذا واضح لا إشكال فيه
#