فتح الباري شرح صحيح البخاري — ج 3
الحافظ ابن حجر العسقلاني • الحديث • ج3 ص184
دار المعرفة - بيروت، 1379
قوله عن سعيد بن المسيب كذا قال سفيان وتابعه معمر وبن أبي حفصة عند مسلم وخالفهم يونس فقال عن الزهري حدثني أبو أمامة بن سهل عن أبي هريرة وهو محمول على أن للزهري فيه شيخين قوله اسرعوا نقل بن قدامة أن الأمر فيه للاستحباب بلا خلاف بين العلماء وشذ بن حزم فقال بوجوبه والمراد بالإسراع شدة المشي وعلى ذلك حمله بعض السلف وهو قول الحنفية قال صاحب الهداية ويمشون بها مسرعين دون الخبب وفي المبسوط ليس فيه شيء مؤقت غير أن العجلة أحب إلى أبي حنيفة وعن الشافعي والجمهور المراد بالإسراع ما فوق سجية المشي المعتاد ويكره الإسراع الشديد ومال عياض إلى نفي الخلاف فقال من استحبه أراد الزيادة على المشي المعتاد ومن كرهه أراد الإفراط فيه كالرمل والحاصل أنه يستحب الإسراع لكن بحيث لاينتهى إلى شدة يخاف معها حدوث مفسدة بالميت أو مشقة على الحامل أو المشيع لئلا ينافي المقصود من النظافة وإدخال المشقة على المسلم قال القرطبي مقصود الحديث أن لا يتباطأ بالميت عن الدفن ولأن التباطؤ ربما أدى إلى التباهي والاختيال قوله بالجنازة أي بحملها إلى قبرها وقيل المعنى بتجهيزها فهو أعم من الأول قال القرطبي والأول أظهر وقال النووي الثاني باطل مردود بقوله في الحديث تضعونه عن رقابكم وتعقبه الفاكهي بأن الحمل على الرقاب قد يعبر به عن المعاني كما تقول حمل فلان على رقبته ذنوبا فيكون المعنى استريحوا من نظر من لا خير فيه قال ويؤيده أن الكل لا يحملونه انتهى ويؤيده حديث بن عمر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا مات أحدكم فلا تحبسوه وأسرعوا به إلى قبره أخرجه الطبراني بإسناد حسن ولأبي داود من حديث حصين بن وحوح مرفوعا لا ينبغي لجيفة مسلم أن تبقى بين ظهراني أهله الحديث قوله فإن تك صالحة أي الجثة المحمولة قال الطيبي جعلت الجنازة عين الميت وجعلت الجنازة التي هي مكان الميت مقدمة إلى الخير الذي كني به عن عمله الصالح قوله فخير هو خبر مبتدأ محذوف أي فهو خير أو مبتدأ خبره محذوف أي فلها خير أو فهناك خير ويؤيده رواية مسلم بلفظ قربتموها إلى الخير ويأتي في قوله بعد ذلك فشر نظير ذلك قوله تقدمونها إليه الضمير راجع إلى الخير باعتبار الثواب قال بن مالك روي تقدمونه إليها فأنث الضمير على تأويل الخير بالرحمة أو الحسنى قوله تضعونه عن رقابكم استدل به على أن حمل الجنازة يختص بالرجال للإتيان فيه بضمير المذكر ولا يخفى ما فيه وفيه استحباب المبادرة إلى دفن الميت لكن بعد أن يتحقق أنه مات أما مثل المطعون والمفلوج والمسبوت فينبغي أن لا يسرع بدفنهم حتى يمضي يوم وليلة ليتحقق موتهم نبه على ذلك بن بزيزة ويؤخذ من الحديث ترك صحبة أهل البطالة وغير الصالحين
#
