فتح الباري شرح صحيح البخاري — ج 10
الحافظ ابن حجر العسقلاني • الحديث • ج10 ص66
دار المعرفة - بيروت، 1379
بتحريم الخمر تسميتهم لها الباذق قال بن بطال يعني بقوله كل مسكر حرام والباذق شراب العسل ويحتمل أن يكون المعنى سبق حكم محمد بتحريم الخمر تسميتهم لها بغير اسمها وليس تغييرهم للاسم بمحلل له إذا كان يسكر قال وكأن بن عباس فهم من السائل أنه يرى أن الباذق حلال فحسم مادته وقطع رجاءه وباعد منه أصله وأخبره أن المسكر حرام ولا عبرة بالتسمية وقال بن التين يعني أن الباذق لم يكن في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت وسياق قصة عمر الأولى يؤيد ذلك وقال أبو الليث السمرقندي شارب المطبوخ إذا كان يسكر أعظم ذنبا من شارب الخمر لأن شارب الخمر يشربها وهو يعلم أنه عاص بشربها وشارب المطبوخ يشرب المسكر ويراه حلالا وقد قام الإجماع على أن قليل الخمر وكثيره حرام وثبت قوله صلى الله عليه وسلم كل مسكر حرام ومن استحل ما هو حرام بالإجماع كفر قلت وقد سبق إلى نحو هذا بعض قدماء الشعراء في أول المائة الثالثة فقال يعرض ببعض من كان يفتي بإباحة المطبوخ وأشربها وأزعمها حراما وأرجو عفو رب ذي امتنان ويشربها ويزعمها حلالا وتلك على المسيء خطيئتان قوله قال الشراب الحلال الطيب قال ليس بعد الحلال الطيب إلا الحرام الخبيث هكذا في جميع نسخ الصحيح ولم يعين القائل هل هو بن عباس أو من بعده والظاهر أنه من قول بن عباس وبذلك جزم القاضي إسماعيل في أحكامه في رواية عبد الرزاق وأخرج البيهقي الحديث من طريق محمد بن أيوب عن محمد بن كثير شيخ البخاري فيه بلفظ قال الشراب الحلال الطيب لا الحرام الخبيث وأخرجه أيضا من طريق بن أبي خيثمة وهو زهير بن معاوية عن أبي الجويرية قال قلت لابن عباس أفتني عن البادق فذكر الحديث وفي آخره فقال رجل من القوم إنا نعمد إلى العنب فنعصره ثم نطبخه حتى يكون حلالا طيبا فقال سبحان الله سبحان الله اشرب الحلال الطيب فإنه ليس بعد الحلال الطيب إلا الحرام الخبيث وأجرجه سعيد بن منصور من طريق أبي عوانة عن أبي الجويرية قال سألت بن عباس قلت نأخذ العنب فنعصره فنشرب منه حلوا حلالا قال اشرب الحلو والباقي مثله ومعنى هذا أن المشبهات نقع في حيز الحرام وهو الخبيث وما لا شبهة فيه حلال طيب قال إسماعيل القاضي في أحكام القرآن هذا الأثر عن بن عباس يضعف الأثر المروي عنه حرمت الخمر بعينها الحديث وقد سبق بيانه في باب الخمر من العسل ثم أسند عن بن عباس قال ما أسكر كثيره فقليله حرام وأخرج البيهقي من طريق إسحاق بن راهويه بسند صحيح إلى يحيى بن عبيد أحد الثقات عن بن عباس قال إن النار لا تحل شيئا ولا تحرمه وزاد في رواية أخرى عن يحيى بن عبيد عن بن عباس أنه قال لهم أيسكر قالوا إذا أكثر منه أسكر قال فكل مسكر حرام ثم ذكر المصنف حديث عائشة كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب الحلواء والعسل وقد تقدم في الأطعمة والحلواء تعقد من السكر وعطف العسل عليها من عطف العام على الخاص وقد تعقد الحلواء من السكر فيتقاربان ووجه إيراده في هذا الباب أن الذي يحل من المطبوخ هو ما كان في معنى الحلواء والذي يجوز شربه من عصير العنب بغير طبخ هو ما كان في معنى العسل فإنهم كانوا يمزجونه بالماء ويشربونه من ساعته والله أعلم
#
