فتح الباري شرح صحيح البخاري — ج 11
الحافظ ابن حجر العسقلاني • الحديث • ج11 ص186
دار المعرفة - بيروت، 1379
فعدلوا به عن سنن الوجوب ولما كان مشتملا على ذكر الله والتفويض إليه كان مندوبا والله أعلم ثم نقول هو ظاهر في تأخير الدعاء عن الصلاة فلو دعا به في اثناء الصلاة احتمل الاجراء ويحتمل الترتيب على تقديم الشروع في الصلاة قبل الدعاء فإن موطن الدعاء في الصلاة السجود أو التشهد وقال بن أبي جمرة الحكمة في تقديم الصلاة على الدعاء أن المراد بالاستخارة حصول الجمع بين خيري الدنيا والآخرة فيحتاج إلى قرع باب الملك ولا شيء لذلك أنجع ولا أنجح من الصلاة لما فيها من تعظيم الله والثناء عليه والافتقار إليه مآلا وحالا قوله اللهم اني استخيرك بعملك الباء للتعليل أي لأنك أعلم وكذا هي في قوله بقدرتك ويحتمل أن تكون للاستعانة كقوله بسم الله مجراها ويحتمل أن تكون للاستعطاف كقوله قال رب بما انعمت علي الآية وقوله وأستقدرك أي أطلب منك أن تجعل لي على ذلك قدرة ويحتمل أن يكون المعنى أطلب منك أن تقدره لي والمراد بالتقدير التيسير قوله وأسالك من فضلك إشارة إلى أن إعطاء الرب فضل منه وليس لأحد عليه حق في نعمه كما هو مذهب أهل السنة قوله فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم إشارة إلى أن العلم والقدرة لله وحده وليس للعبد من ذلك إلا ما قدر الله له وكأنه قال أنت يا رب تقدر قبل أن تخلق في القدرة وعندما تخلقها في وبعد ما تخلقها قوله اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر في رواية معن وغيره فإن كنت تعلم هذا الأمر زاد أبو داود في رواية عبد الرحمن بن مقاتل عن عبد الرحمن بن أبي الموال الذي يريد وزاد في رواية معن ثم يسميه بعينه وقد ذكر ذلك في آخر الحديث في الباب وظاهر سياقه أن ينطق به ويحتمل أن يكتفي باستحضاره بقلبه عند الدعاء وعلى الأول تكون التسمية بعد الدعاء وعلى الثاني تكون الجملة حالية والتقدير فليدع مسميا حاجته وقوله إن كنت استشكل الكرماني الإتيان بصيغة الشك هنا ولا يجوز الشك في كون الله عالما وأجاب بأن الشك في أن العلم متعلق بالخير أو الشر لافي أصل العلم قوله ومعاشي زاد أبو داود ومعادي وهو يؤيد أن المراد بالمعاش الحياة ويحتمل أن يريد بالمعاش ما يعاش فيه ولذلك وقع في حديث بن مسعود في بعض طرقه عند الطبراني في الأوسط في ديني ودنياي وفي حديث أبي أيوب عند الطبراني في دنياي وآخرتي زاد بن حبان في روايته وديني وفي حديث أبي سعيد في ديني ومعيشتي قوله وعاقبة أمري أو قال في عاجل أمري وآجله هو شك من الراوي ولم تختلف الطرق في ذلك واقتصر في حديث أبي سعيد على عاقبة أمري وكذا في حديث بن مسعود وهو يؤيد أحد الاحتمالين في أن العاجل والآجل مذكوران بدل الألفاظ الثلاثة أو بدل الأخيرين فقط وعلى هذا فقول الكرماني لا يكون الداعي جازما بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا إن دعا ثلاث مرات يقول مرة في ديني ومعاشي وعاقبة أمري ومرة في عاجل أمري وآجله ومرة في ديني وعاجل أمري وآجله قلت ولم يقع ذلك أي الشك في حديث أبي أيوب ولا أبي هريرة أصلا قوله فاقدره لي قال أبو الحسن القابسي أهل بلدنا يكسرون الدال وأهل الشرق يضمونها وقال الكرماني معنى قوله اجعله مقدورا لي أو قدره وقيل معناه يسره لي زاد معن ويسره لي وبارك لي فيه قوله فاصرفه عني واصرفني عنه أي حتى لا يبقى قلبه بعد صرف الأمر عنه متعلقا به وفيه دليل لأهل السنة أن الشر من تقدير الله على العبد لأنه لو كان يقدر على اختراعه لقدر على صرفه ولم يحتج إلى طلب صرفه عنه قوله واقدر لي الخير حيث كان في حديث أبي سعيد بعد قوله واقدر لي الخير أينما كان لا حول ولا قوة إلا بالله قوله ثم رضني
#
