فتح الباري شرح صحيح البخاري — ج 11
الحافظ ابن حجر العسقلاني • الحديث • ج11 ص226
دار المعرفة - بيروت، 1379
لا يكون إلا مؤمنا والمؤمن يدخل الجنة وقيل معناه عدها معتقدا لأن الدهري لا يعترف بالخالق والفلسفي لا يعترف بالقادر وقيل أحصاها يريد بها وجه الله وإعظامه وقيل معنى أحصاها عمل بها فإذا قال الحكيم مثلا سلم جميع أوامره لأن جميعها على مقتضى الحكمة وإذا قال القدوس استحضر كونه منزها عن جميع النقائص وهذا اختيار أبي الوفا بن عقيل وقال بن بطال طريق العمل بها أن الذي يسوغ الاقتداء به فيها كالرحيم والكريم فإن الله يحب أن يرى حلاها على عبده فليمرن العبد نفسه على أن يصح له الاتصاف بها وما كان يختص بالله تعالى كالجبار والعظيم فيجب على العبد الإقرار بها والخضوع لها وعدم التحلي بصفة منها وما كان فيه معنى الوعد نقف منه عند الطمع والرغبة وما كان فيه معنى الوعيد نقف منه عند الخشية والرهبة فهذا معنى أحصاها وحفظها ويؤيده أن من حفظها عدا وأحصاها سردا ولم يعمل بها يكون كمن حفظ القرآن ولم يعمل بما فيه وقد ثبت الخبر في الخوارج انهم يقرؤون القرآن ولا يجاوز حناجرهم قلت والذي ذكره مقام الكمال ولا يلزم من ذلك أن لا يرد الثواب لمن حفظها وتعبد بتلاوتها والدعاء بها وإن كان متلبسا بالمعاصي كما يقع مثل ذلك في قارئ القرآن سواء فان القاريء ولو كان متلبسا بمعصية غير ما يتعلق بالقراءة يثاب على تلاوته عند أهل السنة فليس ما بحثه بن بطال بدافع لقول من قال إن المراد حفظها سردا والله أعلم وقال النووي قال البخاري وغيره من المحققين معناه حفظها وهذا هو الأظهر لثبوته نصا في الخبر وقال في الأذكار هو قول الأكثرين وقال بن الجوزي لما ثبت في بعض طرق الحديث من حفظها بدل أحصاها اخترنا أن المراد العد أي من عدها ليستوفيها حفظا قلت وفيه نظر لأنه لا يلزم من مجيئه بلفظ حفظها تعين السرد عن ظهر قلب بل يحتمل الحفظ المعنوي وقيل المراد بالحفظ حفظ القرآن لكونه مستوفيا لها فمن تلاه ودعا بما فيه من الأسماء حصل المقصود قال النووي وهذا ضعيف وقيل المراد من تتبعها من القرآن وقال بن عطية معنى أحصاها عدها وحفظها ويتضمن ذلك الإيمان بها والتعظيم لها والرغبة فيها والاعتبار بمعانيها وقال الأصيلي ليس المراد بالإحصاء عدها فقط لأنه قد يعدها الفاجر وإنما المراد العمل بها وقال أبو نعيم الأصبهاني الإحصاء المذكور في الحديث ليس هو التعداد وإنما هو العمل والتعقل بمعاني الأسماء والإيمان بها وقال أبو عمر الطلمنكي من تمام المعرفة بأسماء الله تعالى وصفاته التي يستحق بها الداعي والحافظ ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم المعرفة بالأسماء والصفات وما تتضمن من الفوائد وتدل عليه من الحقائق ومن لم يعلم ذلك لم يكن عالما لمعاني الأسماء ولا مستفيدا بذكرها ما تدل عليه من المعاني وقال أبو العباس بن معد يحتمل الإحصاء معنيين أحدهما أن المراد تتبعها من الكتاب والسنة حتى يحصل عليها والثاني أن المراد أن يحفظها بعد أن يجدها محصاة قال ويؤيده أنه ورد في بعض طرقه من حفظها قال ويحتمل أن يكون صلى الله عليه وسلم أطلق أولا قوله من أحصاها دخل الجنة ووكل العلماء إلى البحث عنها ثم يسر على الأمة الأمر فألقاها إليهم محصاة وقال من حفظها دخل الجنة قلت وهذا الاحتمال بعيد جدا لأنه يتوقف على أن النبي صلى الله عليه وسلم حدث بهذا الحديث مرتين إحداهما قبل الأخرى ومن أين يثبت ذلك ومخرج اللفظين واحد وهو عن أبي هريرة والاختلاف عن بعض الرواة عنه في أي اللفظين قاله قال وللإحصاء معان أخرى منها الإحصاء الفقهي وهو العلم بمعانيها من اللغة وتنزيهها على الوجوه التي تحملها الشريعة ومنها الإحصاء النظري وهو أن يعلم معنى كل اسم بالنظر في الصيغة ويستدل عليه بأثره الساري
#
