فتح الباري شرح صحيح البخاري — ج 11
الحافظ ابن حجر العسقلاني • الحديث • ج11 ص89
دار المعرفة - بيروت، 1379
في فوائد بن السماك من طريق أبي أويس عن أبي الزناد بهذا السند مرفوعا وأبو أويس فيه لين وأكثر الروايات على ما وقع في حديث الباب أنه عليه السلام اختتن وهو بن ثمانين سنة وقد حاول الكمال بن طلحة في جزء له في الختان الجمع بين الروايتين فقال نقل في الحديث الصحيح أنه اختتن لثمانين وفي رواية أخرى صحيحة أنه اختتن لمائة وعشرين والجمع بينهما أن إبراهيم عاش مائتي سنة منها ثمانين سنة غير مختون ومنها مائة وعشرين وهو مختون فمعنى الحديث الأول اختتن ثمانين مضت من عمره والثاني لمائة وعشرين بقيت من عمره وتعقبه الكمال بن العديم في جزء سماه الملحة في الرد على بن طلحة بأن في كلامه وهما من أوجه أحدها تصحيحه لرواية مائة وعشرين وليست بصحيحة ثم أوردها من رواية الوليد عن الأوزاعي عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة مرفوعة وتعقبه بتدليس الوليد ثم أورده من فوائد بن المقرئ من رواية جعفر بن عون عن يحيى بن سعيد به موقوفا ومن رواية علي بن مسهر وعكرمة بن إبراهيم كلاهما عن يحيى بن سعيد كذلك ثانيها قوله في كل منهما لثمانين لمائة وعشرين ولم يرد في طريق من الطرق باللام وإنما ورد بلفظ اختتن وهو بن ثمانين وفي الأخرى وهو بن مائة وعشرين وورد الأول أيضا بلفظ على رأس ثمانين ونحو ذلك ثالثها أنه صرح في أكثر الروايات أنه عاش بعد ذلك ثمانين سنة فلا يوافق الجمع المذكور أن المائة وعشرين هي التي بقيت من عمره ورابعها أن العرب لا تزال تقول خلون إلى النصف فإذا تجاوزت النصف قالوا بقين والذي جمع به بن طلحة يقع بالعكس ويلزم أن يقول فيما إذا مضى من الشهر عشرة أيام لعشرين بقين وهذا لا يعرف في استعمالهم ثم ذكر الاختلاف في سن إبراهيم وجزم بأنه لا يثبت منها شيء منها قول هشام بن الكلبي عن أبيه قال دعا إبراهيم الناس إلى الحج ثم رجع إلى الشام فمات به وهو بن مائتي سنة وذكر أبو حذيفة البخاري أحد الضعفاء في المبتدأ بسند له ضعيف أن إبراهيم عاش مائة وخمسا وسبعين سنة وأخرج بن أبي الدنيا من مرسل عبيد بن عمير في وفاة إبراهيم وقصته مع ملك الموت ودخوله عليه في صورة شيخ فأضافه فجعل يضع اللقمة في فيه فتتناثر ولا تثبت في فيه فقال له كم أتى عليك قال مائة وإحدى وستون سنة فقال إبراهيم في نفسه وهو يومئذ بن ستين ومائة ما بقي أن أصير هكذا إلا سنة واحدة فكره الحياة فقبض ملك الموت حينئذ روحه برضاه فهذه ثلاثة أقوال مختلفة يتعسر الجمع بينها لكن أرجحها الرواية الثالثة وخطر لي بعد أنه يجوز الجمع بأن يكون المراد بقوله وهو بن ثمانين أنه من وقت فارق قومه وهاجر من العراق إلى الشام وأن الرواية الأخرى وهو بن مائة وعشرين أي من مولده أو أن بعض الرواة رأى مائة وعشرين فظنها إلا عشرين أو بالعكس والله أعلم قال المهلب ليس اختتان إبراهيم عليه السلام بعد ثمانين مما يوجب علينا مثل فعله إذ عامة من يموت من الناس لا يبلغ الثمانين وإنما اختتن وقت أوحى الله إليه بذلك وأمره به قال والنظر يقتضي أنه لا ينبغي الاختتان إلا قرب وقت الحاجة إليه لاستعمال العضو في الجماع كما وقع لابن عباس حيث قال كانوا لا يختنون الرجل حتى يدرك ثم قال والاختتان في الصغر لتسهيل الأمر على الصغير لضعف عضوه وقلة فهمه قلت يستدل بقصة إبراهيم عليه السلام لمشروعية الختان حتى لو أخر لمانع حتى بلغ السن المذكور لم يسقط طلبه وإلى ذلك أشار البخاري بالترجمة وليس المراد أن الختان يشرع تأخيره إلى الكبر حتى يحتاج إلى الاعتذار عنه وأما التعليل الذي ذكره من طريق النظر ففيه نظر فإن حكمة الختان لم تنحصر في تكميل ما يتعلق بالجماع بل
#
