فتح الباري شرح صحيح البخاري — ج 12
الحافظ ابن حجر العسقلاني • الحديث • ج12 ص156
دار المعرفة - بيروت، 1379
على أن من خشي من قوم فتنة وأن لا يجيبوا إلى امتثال الأمر الحق أن يتوجه إليهم ويناظرهم ويقيم عليهم الحجة وقد أخرج النسائي من حديث سالم بن عبيد الله قال اجتمع المهاجرون يتشاورون فقالوا انطلقوا بنا إلى إخواننا الأنصار فقالوا منا أمير ومنكم أمير فقال عمر فسيفان في غمد إذا لا يصلحان ثم أخذ بيد أبي بكر فقال من له هذه الثلاثة إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا من صاحبه إذ هما في الغار من هما فبايعه وبايعه الناس أحسن بيعة وأجملها وفيه أن للكبير القدر أن يتواضع ويفضل من هو دونه على نفسه أدبا وفرارا من تزكية نفسه ويدل عليه أن عمر لما قال له ابسط يدك لم يمتنع وفيه أنه لا يكون للمسلمين أكثر من إمام وفيه جواز الدعاء على من يخشى في بقائه فتنة واستدل به على أن من قذف غيره عند الإمام لم يجب على الإمام أن يقيم عليه الحد حتى يطلبه المقدوف لأن له أن يعفو عن قاذفه أو يريد الستر وفيه أن على الإمام إن خشي من قوم الوقوع في محذور أن يأتيهم فيعظهم ويحذرهم قبل الإيقاع بهم وتمسك بعض الشيعة بقول أبي بكر قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين بأنه لم يكن يعتقد وجوب إمامته ولا استحقاقه للخلافة والجواب من أوجه أحدهما أن ذلك كان تواضعا منه والثاني لتجويزه إمامة المفضول مع وجود الفاضل وإن كان من الحق له فله أن يتبرع لغيره الثالث أنه علم أن كلا منهما لا يرضى أن يتقدمه فأراد بذلك الإشارة إلى أنه لو قدر أنه لا يدخل في ذلك لكان الأمر منحصرا فيهما ومن ثم لما حضره الموت استخلف عمر لكون أبي عبيدة كان إذ ذاك غائبا في جهاد أهل الشام متشاغلا بفتحها وقد دل قول عمر لأن أقدم فتضرب عنقي إلخ على صحة الاحتمال المذكور وفيه إشارة ذي الرأي على الإمام بالمصلحة العامة بما ينفع عموما أو خصوصا وإن لم يستشره ورجوعه إليه عند وضوح الصواب واستدل بقول أبي بكر أحد هذين الرجلين أن شرط الإمام أن يكون واحدا وقد ثبت النص الصريح في حديث مسلم إذا بايعوا لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما وإن كان بعضهم أوله بالخلع والإعراض عنه فيصير كمن قتل وكذا قال الخطابي في قول عمر في حق سعد اقتلوه أي اجعلوه كمن قتل
#
