شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

فتح الباري شرح صحيح البخاري — ج 13

الحافظ ابن حجر العسقلاني • الحديث • ج13 ص176

دار المعرفة - بيروت، 1379

بالشهادة وبالإيمان وإلا لكان الكثير من الأحكام يسمى خطأ وليس كذلك كما تقدمت الإشارة إليه في حديث أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وحديث إني لم أومر بالتنقيب عن قلوب الناس وعلى هذا فالحجة من الحديث ظاهرة في شمول الخبر الأموال والعقود والفسوخ والله أعلم ومن ثم قال الشافعي إنه لا فرق في دعوى حل الزوجة لمن أقام بتزويجها بشاهدي زور وهو يعلم بكذبهما وبين من ادعى على حر أنه في ملكه وأقام بذلك شاهدي زور وهو يعلم حريته فإذا حكم له الحاكم بأنه ملكه لم يحل له أن يسترقه بالإجماع قال النووي والقول بأن حكم الحاكم يحل ظاهرا وباطنا مخالف لهذا الحديث الصحيح وللإجماع السابق على قائلة ولقاعدة أجمع العلماء عليها ووافقهم القائل المذكور وهو أن الأبضاع أولى بالاحتياط من الأموال وقال بن العربي إن كان حاكما نفذ على المحكوم له أو عليه وإن كان مفتيا لم يحل فإن كان المفتى له مجتهدا يرى بخلاف ما أفتاه به لم يجز وإلا جاز والله أعلم قال ويستفاد من قوله وتوخيا الحق جواز الإبراء من المجهول لأن التوخي لا يكون في المعلوم وقال القرطبي شنعوا على من قال ذلك قديما وحديثا لمخالفة الحديث الصحيح ولأن فيه صيانة المال وابتذال الفروج وهي أحق أن يحتاط لها وتصان واحتج بعض الحنفية بما جاء عن علي أن رجلا خطب امرأة فأبت فادعى أنه تزوجها وأقام شاهدين فقالت المرأة إنهما شهدا بالزور فزوجني أنت منه فقد رضيت فقال شاهداك زوجاك وأمضى عليها النكاح وتعقب بأنه لم يثبت عن علي واحتج المذكور من حيث النظر بأن الحاكم قضى بحجة شرعية فيما له ولاية الإنشاء فيه فجعل الإنشاء تحرزا عن الحرام والحديث صريح في المال وليس النزاع فيه فإن القاضي لا يملك دفع مال زيد إلى عمرو ويملك إنشاء العقود والفسوخ فإنه يملك بيع أمة زيد مثلا من عمرو حال خوف الهلاك للحفظ وحال الغيبة ويملك إنشاء النكاح على الصغيرة والفرقة على العنين فيجعل الحكم إنشاء احترازا عن الحرام ولأنه لو لم ينفذ باطنا فلو حكم بالطلاق لبقيت حلالا للزوج الأول باطنا وللثاني ظاهرا فلو ابتلي الثاني مثل ما ابتلي الأول حلت للثالث وهكذا فتحل لجمع متعدد في زمن واحد ولا يخفى فحشه بخلاف ما إذا قلنا بنفاذه باطنا فإنها لا تحل إلا لواحد انتهى وتعقب بأن الجمهور إنما قالوا في هذا تحرم على الثاني مثلا إذا علم أن الحكم ترتب على شهادة الزور فإذا اعتمد الحكم وتعمد الدخول بها فقد ارتكب محرما كما لو كان الحكم بالمال فأكله ولو ابتلي الثاني كان حكم الثالث كذلك والفحش إنما لزم من الإقدام على تعاطي المحرم فكان كما لو زنوا ظاهرا واحدا بعد واحد وقال بن السمعاني شرط صحة الحكم وجود الحجة وإصابة المحل وإذا كانت البينة في نفس الأمر شهود زور لم تحصل الحجة لأن حجة الحكم هي البينة العادلة فإن حقيقة الشهادة إظهار الحق وحقيقة الحكم انفاذ ذلك وإذا كان الشهود كذبة لم تكن شهادتهم حقا قال فإن احتجوا بأن القاضي حكم بحجة شرعية أمر الله بها وهي البينة العادلة في علمه ولم يكلف بالاطلاع على صدقهم في باطن الأمر فإذا حكم بشهادتهم فقد امتثل ما أمر به فلو قلنا لا ينفذ في باطن الأمر للزم إبطال ما وجب بالشرع لأن صيانة الحكم عن الإبطال مطلوبة فهو بمنزلة القاضي في مسألة اجتهادية على مجتهد لا يعتقد ذلك وانه يجب عليه قبول ذلك وإن كان لا يعتقده صيانة للحكم وأجاب بن السمعاني بأن هذه الحجة للنفوذ ولهذا لا يأثم القاضي وليس من ضرورة وجوب القضاء نفوذ القضاء حقيقة في باطن الأمر وإنما يجب صيانة القضاء عن الإبطال إذا

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية