فتح الباري شرح صحيح البخاري — ج 13
الحافظ ابن حجر العسقلاني • الحديث • ج13 ص234
دار المعرفة - بيروت، 1379
ونسب إلى الحاكم أبي عبد الله وأنه ادعى أنه شرط الشيخين ولكنه غلط على الحاكم كما أوضحته في الكلام على علوم الحديث وقوله الصدوق قيد لا بد منه وإلا فمقابله وهو الكذوب لا يحتج به اتفاقا وأما من لم يعرف حاله فثالثها يجوز إن اعتضد وقوله والفرائض بعد قوله في الأذان والصلاة والصوم من عطف العام على الخاص وأفرد الثلاثة بالذكر للاهتمام بها قال الكرماني ليعلم إنما هو في العمليات لا في الاعتقاديات والمراد بقبول خبره في الأذان أنه إذا كان مؤتمنا فأذن تضمن دخول الوقت فجازت صلاة ذلك الوقت وفي الصلاة الإعلام بجهة القبلة وفي الصوم الإعلام بطلوع الفجر أو غروب الشمس وقوله والأحكام بعد قوله والفرائض من عطف العام على عام أخص منه لأن الفرائض فرد من الأحكام قوله وقول الله تعالى فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة الآية وقع في رواية كريمة سياق الآية إلى قوله يحذرون وهو المراد بقوله في رواية غيرها الآية وهذا مصير منه إلى أن لفظ طائفة يتناول الواحد فما فوقه ولا يختص بعدد معين وهو منقول عن بن عباس وغيره كالنخعي ومجاهد نقله الثعلبي وغيره وعن عطاء وعكرمة وبن زيد أربعة وعن بن عباس أيضا من أربعة إلى أربعين وعن الزهري ثلاثة وعن الحسن عشرة وعن مالك أقل الطائفة أربعة كذا أطلق بن التين ومالك إنما قاله فيمن يحضر رجم الزاني وعن ربيعة خمسة وقال الراغب لفظ طائفة يراد بها الجمع والواحد طائف ويراد بها الواحد فيصح أن يكون كراوية وعلامة ويصح أن يراد به الجمع وأطلق على الواحد وقال عطاء الطائفة اثنان فصاعدا وقواه أبو إسحاق الزجاج بأن لفظ طائفة يشعر بالجماعة وأقلها اثنان وتعقب بأن الطائفة في اللغة القطعة من الشيء فلا يتعين فيه العدد وقرر بعضهم الاستدلال بالآية الأولى على وجه آخر فقال لما قال فلولا نفر من كل فرقة وكان أقل الفرقة ثلاثة وقد علق النفر بطائفة منهم فأقل من ينفر واحد ويبقى اثنان وبالعكس قوله ويسمى الرجل طائفة لقوله تعالى وان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فلو اقتتل رجلان في رواية الكشميهني الرجلان دخلا في معنى الآية وهذا الاستدلال سبقه إلى الحجة به الشافعي وقبله مجاهد ولا يمنع ذلك قوله وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين لكون سياقه يشعر بأن المراد أكثر من واحد لأنا لم نقل إن الطائفة لا تكون إلا واحدا قوله وقوله إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا وجه الدلالة منها يؤخذ من مفهومي الشرط والصفة فإنهما يقتضيان قبول خبر الواحد وهذا الدليل يورد للتقوي لا للاستقلال لأن المخالف قد لا يقول بالمفاهيم واحتج الأئمة أيضا بآيات أخرى وبالأحاديث المذكورة في الباب واحتج من منع بأن ذلك لا يفيد إلا الظن وأجيب بأن مجموعها يفيد القطع كالتواتر المعنوي وقد شاع فاشيا عمل الصحابة والتابعين بخبر الواحد من غير نكير فاقتضى الاتفاق منهم على القبول ولا يقال لعلهم عملوا بغيرها أو عملوا بها لكنها أخبار مخصوصة بشيء مخصوص لأنا نقول العلم حاصل من سياقها بأنهم إنما عملوا بها لظهورها لا لخصوصها قوله وكيف بعث النبي صلى الله عليه وسلم أمراءه واحدا بعد واحد فإن سها أحد منهم رد إلى السنة سيأتي في أواخر الكلام على خبر الواحد باب ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يبعث من الأمراء والرسل واحدا بعد واحد فزاد فيه بعث الرسل والمراد بقوله واحدا بعد واحد تعدد الجهات المبعوث إليها بتعدد المبعوثين وحمله الكرماني على ظاهره فقال فائدة بعث الآخر بعد الأول ليرده إلى الحق عند سهوه ولا يخرج بذلك عن كونه خبر واحد وهو استدلال قوي لثبوت خبر الواحد من فعله صلى الله عليه وسلم لأن خبر الواحد لو لم يكف قبوله ما كان في إرساله معنى وقد نبه عليه
#
