شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

فتح الباري شرح صحيح البخاري — ج 13

الحافظ ابن حجر العسقلاني • الحديث • ج13 ص273

دار المعرفة - بيروت، 1379

رواية محمد بن سيرين عن أبي هريرة صدق الله ورسوله قال بن بطال في حديث أنس الإشارة إلى ذم كثرة السؤال لأنها تفضي إلى المحذور كالسؤال المذكور فإنه لا ينشأ إلا عن جهل مفرط وقد ورد بزيادة من حديث أبي هريرة بلفظ لا يزال الشيطان يأتي أحدكم فيقول من خلق كذا من خلق كذا حتى يقول من خلق الله فإذا وجد ذلك أحدكم فليقل آمنت بالله وفي رواية ذاك صريح الإيمان ولعل هذا هو الذي أراد الصحابي فيما أخرجه أبو داود من رواية سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال جاء ناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم من أصحابه فقالوا يا رسول الله إنا نجد في أنفسنا الشيء يعظم أن نتكلم به ما نحب أن لنا الدنيا وأنا تكلمنا به فقال أوقد وجدتموه ذاك صريح الإيمان ولابن أبي شيبة من حديث بن عباس جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إني أحدث نفسي بالأمر لأن أكون حممة أحب إلي من أن أتكلم به قال الحمد لله الذي رد أمره إلى الوسوسة ثم نقل الخطابي المراد بصريح الإيمان هو الذي يعظم في نفوسهم إن تكلموا به ويمنعهم من قبول ما يلقي الشيطان فلولا ذلك لم يتعاظم في أنفسهم حتى أنكروه وليس المراد أن الوسوسة نفسها صريح الإيمان بل هي من قبل الشيطان وكيده وقال الطيبي قوله نجد في أنفسنا الشيء أي القبيح نحو ما تقدم في حديث أنس وأبي هريرة وقوله يعظم أن نتكلم به أي للعلم بأنه لا يليق أن نعتقده وقوله ذاك صريح الإيمان أي علمكم بقبيح تلك الوساوس وامتناع قبولكم ووجودكم النفرة عنها دليل على خلوص إيمانكم فإن الكافر يصر على ما في قلبه من المحال ولا ينفر عنه وقوله في الحديث الآخر فليستعذ بالله ولينته أي يترك التفكر في ذلك الخاطر ويستعيذ بالله إذا لم يزل عنه التفكر والحكمة في ذلك أن العلم باستغناء الله تعالى عن كل ما يوسوسه الشيطان أمر ضروري لا يحتاج للاحتجاج والمناظرة فإن وقع شيء من ذلك فهو من وسوسة الشيطان وهي غير متناهية فمهما عورض بحجة يجد مسلكا آخر من المغالطة والاسترسال فيضيع الوقت إن سلم من فتنته فلا تدبير في دفعه أقوى من الإلجاء إلى الله تعالى بالاستعاذة به كما قال تعالى وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله الآية وقال في شرح الحديث الذي فيه فليقل الله الأحد الصفات الثلاث منبهة على أن الله تعالى لا يجوز أن يكون مخلوقا أما أحد فمعناه الذي لا ثاني له ولا مثل فلو فرض مخلوقا لم يكن أحدا على الإطلاق وسيأتي مزيد لهذا في شرح حديث عائشة في أول كتاب التوحيد وقال المهلب قوله صريح الإيمان يعني الانقطاع في إخراج الأمر إلى ما لا نهاية له فلا بد عند ذلك من إيجاب خالق لا خالق له لأن المتفكر العاقل يجد للمخلوقات كلها خالقا لأثر الصنعة فيها والحدث الجاري عليها والخالق بخلاف هذه الصفة فوجب أن يكون لكل منها خالق لا خالق له فهذا هو صريح الإيمان لا البحث الذي هو من كيد الشيطان المؤدي إلى الحيرة وقال بن بطال فإن قال الموسوس فما المانع أن يخلق الخالق نفسه قيل له هذا ينقض بعضه بعضا لأنك أثبت خالقا وأوجبت وجوده ثم قلت يخلق نفسه فأوجبت عدمه والجمع بين كونه موجودا معدوما فاسد لتناقضه لأن الفاعل يتقدم وجوده على وجود فعله فيستحيل كون نفسه فعلا له قال وهذا واضح في حل هذه الشبهة وهو يفضي إلى صريح الإيمان انتهى ملخصا موضحا وحديث أبي هريرة أخرجه مسلم فعزوه إليه أولى ولفظه إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به قال وقد وجدتموه قالوا نعم قال ذاك صريح الإيمان وأخرج بعده من حديث بن مسعود سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الوسوسة فقال تلك محض الإيمان وحديث بن عباس أخرجه أبو داود والنسائي وصححه بن حبان وقال بن التين لو جاز لمخترع الشيء

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية