شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

فتح القدير — ج 1

الشوكاني • التفسير • ج1 ص148

دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت

وقرأ الباقون ننسها بضم النون، من النسيان الذي بمعنى الترك، أي: نتركها فلا نبدلها ولا ننسخها، ومنه قوله تعالى نسوا الله فنسيهم «1» أي: تركوا عبادته فتركهم في العذاب. واختار هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم. وحكى الأزهري أن معناه: نأمر بتركها، يقال: أنسيته الشيء، أي: أمرته بتركه، ونسيته تركته، ومنه قول الشاعر:

إن علي عقبة أقضيها ... لست بناسيها ولا منسيها

أي: ولا آمر بتركها. وقال الزجاج: إن القراءة بضم النون لا يتوجه فيها معنى الترك، لا يقال: أنسى، بمعنى: ترك قال: وما روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أو ننسها قال: نتركها لا نبدلها فلا يصح. والذي عليه أكثر أهل اللغة والنظر أن معنى أو ننسها نبح لكم تركها، من نسي، إذا ترك، ثم تعديه. ومعنى نأت بخير منها أو مثلها نأت بما أنفع للناس منها في العاجل والآجل، أو في أحدهما، أو بما هو مماثل لها من غير زيادة، ومرجع ذلك إلى إعمال في المنسوخ والناسخ، فقد يكون الناسخ أخف، فيكون أنفع لهم في العاجل، وقد يكون أثقل وثوابه أكثر، فيكون أنفع لهم في الآجل، وقد يستويان فتحصل المماثلة. وقوله: ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير يفيد أن النسخ من مقدوراته، وأن إنكاره إنكار للقدرة الإلهية، وهكذا قوله: ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض أي له التصرف في السموات والأرض بالإيجاد والاختراع ونفوذ الأمر في جميع مخلوقاته، فهو أعلم بمصالح عباده وما فيه النفع لهم من أحكامه التي تعبدهم بها، وشرعها لهم. وقد يختلف ذلك باختلاف الأحوال والأزمنة والأشخاص، وهذا صنع من لا ولي لهم غيره ولا نصير سواه، فعليهم أن يتلقوه بالقبول والامتثال والتعظيم والإجلال.

وقد أخرج ابن أبي حاتم، والحاكم في الكنى، وابن عدي، وابن عساكر عن ابن عباس قال: كان مما ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم الوحي بالليل وينساه بالنهار، فأنزل الله: ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها وفي إسناده الحجاج الجزري ينظر فيه. وأخرج الطبراني عن ابن عمر قال: قرأ رجلان من الأنصار سورة أقرأهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانا يقرآن ذات ليلة يصليان فلم يقدرا منها على حرف فأصبحا غاديين على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إنها مما نسخ أو نسي فالهوا عنها» وفي إسناده سليمان بن أرقم وهو ضعيف. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الأسماء والصفات، عن ابن عباس في قوله: ما ننسخ من آية أو ننسها يقول: ما نبدل من آية أو نتركها لا نبدلها نأت بخير منها أو مثلها يقول: خير لكم في المنفعة، وأرفق بكم. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أنه قال:

ننسها نؤخرها. وأخرج أبو داود في ناسخه، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الأسماء والصفات، عن ابن مسعود في قوله: ما ننسخ من آية قال: نثبت خطها، ونبدل حكمها أو ننسها قال نؤخرها. وأخرج عبد بن حميد وأبو داود في ناسخه وابن جرير عن قتادة في قوله: نأت بخير منها أو مثلها يقول: فيها تخفيف، فيها رخصة، فيها أمر، فيها نهي. وأخرج أبو داود في ناسخه،

الصفحة السابقة الصفحة التالية