فتح القدير — ج 1
الشوكاني • التفسير • ج1 ص170
دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
إلى إبراهيم وبنيه ويعقوب وبنيه وأمة بدل منه، وخبره قد خلت أو أمة: خبره، وقد خلت:
نعت لأمة، وقوله: لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسئلون عما كانوا يعملون بيان لحال تلك الأمة وحال المخاطبين بأن لكل من الفريقين كسبه، لا ينفعه كسب غيره ولا يناله منه شيء، ولا يضره ذنب غيره، وفيه الرد على من يتكل على عمل سلفه، ويروح نفسه بالأماني الباطلة، ومنه ما ورد في الحديث «من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه» والمراد: أنكم لا تنتفعون بحسناتهم، ولا تؤاخذون بسيئاتهم، ولا تسألون عن أعمالهم، كما لا يسألون عن أعمالكم، ومثله: ولا تزر وازرة وزر أخرى «1» وأن ليس للإنسان إلا ما سعى «2» . ولما ادعت اليهود والنصارى أن الهداية بيدها والخير مقصور عليها رد ذلك عليهم بقوله: بل ملة إبراهيم أي: قل يا محمد هذه المقالة، ونصب ملة بفعل مقدر، أي: نتبع وقيل التقدير:
نكون ملة إبراهيم، أي: أهل ملته وقيل: بل نهتدي بملة إبراهيم، فلما حذف حرف الجر صار منصوبا.
وقرأ الأعرج، وابن أبي عبلة: «ملة» بالرفع: أي: بل الهدى ملة إبراهيم. والحنيف: المائل عن الأديان الباطلة إلى دين الحق، وهو في أصل اللغة: الذي تميل قدماه كل واحدة إلى أختها. قال الزجاج: وهو منصوب على الحال، أي: نتبع ملة إبراهيم حال كونه حنيفا. وقال علي بن سليمان: هو منصوب بتقدير أعني، والحال خطأ كما لا يجوز: جاءني غلام هند مسرعة. وقال في الكشاف: هو حال من المضاف إليه، كقولك: رأيت وجه هند قائمة، وقال قوم: الحنف: الاستقامة، فسمي دين إبراهيم حنيفا لاستقامته، وسمي معوج الرجلين: أحنف، تفاؤلا بالاستقامة، كما قيل للديغ: سليم، وللمهلكة: مفازة. وقد استدل من قال بأن الحنيف في اللغة المائل لا المستقيم بقول الشاعر:
إذا حول الظل العشي رأيته ... حنيفا وفي قرن الضحى يتنصر
أي: أن الحرباء تستقبل القبلة بالعشي، وتستقبل المشرق بالغداة، وهي قبلة النصارى، ومنه قول الشاعر:
والله لولا حنف في رجله ... ما كان في رجالكم من مثله
وقوله: وما كان من المشركين فيه تعريض باليهود لقولهم- عزير ابن الله- وبالنصارى لقولهم- المسيح ابن الله- أي: أن إبراهيم ما كان على هذه الحالة التي أنتم عليها من الشرك بالله، فكيف تدعون عليه أنه كان على اليهودية أو النصرانية؟ وقوله: قولوا آمنا بالله خطاب للمسلمين، وأمر لهم بأن يقولوا هذه المقالة وقيل: إنه خطاب للكفار بأن يقولوا ذلك حتى يكونوا على الحق، والأول أظهر.
والأسباط: أولاد يعقوب، وهم اثنا عشر ولدا، ولكل واحد منهم من الأولاد جماعة، والسبط في بني إسرائيل بمنزلة القبيلة في العرب، وسموا الأسباط من السبط وهو التتابع، فهم جماعة متتابعون وقيل: أصله من السبط بالتحريك وهو الشجر، أي: هم في الكثرة بمنزلة الشجر وقيل: الأسباط: حفدة يعقوب، أي:
أولاد أولاده لا أولاده، لأن الكثرة إنما كانت فيهم دون أولاد يعقوب في نفسه، فهم أفراد لا أسباط. وقوله: