شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

فتح القدير — ج 1

الشوكاني • التفسير • ج1 ص191

دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت

إلى الله، ويمكن أن يجعل هذا، أعني قوله: والذين آمنوا أشد حبا لله دليلا على الثاني، لأن المؤمنين إذا كانوا أشد حبا لم يكن حب الكفار للأنداد كحب المؤمنين لله وقيل: المراد بالأنداد هنا: الرؤساء، أي: يطيعونهم في معاصي الله، ويقوي هذا: الضمير في قولهم: يحبونهم فإنه لمن يعقل، ويقويه أيضا: قوله سبحانه عقب ذلك: إذ تبرأ الذين اتبعوا الآية. وقوله: ولو يرى الذين ظلموا قراءة أهل مكة والكوفة وأبو عمرو بالياء التحتية، وهو اختيار أبي عبيد. وقراءة أهل المدينة وأهل الشام بالفوقية، والمعنى على القراءة الأولى: لو يرى الذين ظلموا في الدنيا عذاب الآخرة لعلموا حين يرونه أن القوة لله جميعا، قاله أبو عبيد. قال النحاس: وهذا القول هو الذي عليه أهل التفسير. انتهى. وعلى هذا:

فالرؤية هي البصرية لا القلبية. وروي عن محمد بن يزيد المبرد أنه قال: هذا التفسير الذي جاء به أبو عبيد بعيد، وليست عبارته فيه بالجيدة، لأنه يقدر: ولو يرى الذين ظلموا العذاب، فكأنه يجعله مشكوكا فيه.

وقد أوجبه الله تعالى، ولكن التقدير هو الأحسن: ولو يرى الذين ظلموا أن القوة لله- ويرى بمعنى:

يعلم، أي: لو يعلمون حقيقة قوة الله وشدة عذابه. قال: وجواب لو محذوف، أي: لتبينوا ضرر اتخاذهم الآلهة كما حذف في قوله: ولو ترى إذ وقفوا على النار «1» ولو ترى إذ وقفوا على ربهم «2» ومن قرأ بالفوقية فالتقدير: ولو ترى يا محمد الذين ظلموا في حال رؤيتهم العذاب وفزعهم منه لعلمت أن القوة لله جميعا.

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم علم ذلك ولكن خوطب بهذا الخطاب، والمراد به أمته وقيل: أن في موضع نصب مفعول لأجله، أي: لأن القوة لله، كما قال الشاعر:

وأغفر عوراء الكريم ادخاره ... وأعرض عن شتم اللئيم تكرم

أي: لادخاره والمعنى: ولو ترى يا محمد! الذين ظلموا في حال رؤيتهم للعذاب- لأن القوة لله- لعلمت مبلغهم من النكال، ودخلت (إذا) وهي لما مضى في إثبات هذه المستقبلات تقريبا للأمر وتصحيحا لوقوعه. وقرأ ابن عامر إذ يرون بضم الياء، والباقون بفتحها. وقرأ الحسن ويعقوب وأبو جعفر أن القوة، وأن الله بكسر الهمزة فيهما على الاستئناف، وعلى تقدير القول. وقوله: إذ تبرأ الذين اتبعوا بدل من قوله: إذ يرون العذاب ومعناه: أن السادة والرؤساء تبرؤوا ممن اتبعهم على الكفر. وقوله:

ورأوا العذاب في محل نصب على الحال: يعني التابعين والمتبوعين قيل: عند المعاينة في الدنيا وقيل:

عند العرض والمساءلة في الآخرة. ويمكن أن يقال: فيهما جميعا، إذ لا مانع من ذلك. وقوله: وتقطعت بهم الأسباب هي جمع سبب، وأصله في اللغة: الحبل الذي يشد به الشيء ويجذب به، ثم جعل كل ما جر شيئا سببا، والمراد بها: الوصل التي كانوا يتواصلون بها في الدنيا من الرحم وغيره، وقيل: هي الأعمال.

والكرة: الرجعة والعودة إلى حال قد كانت، ولو هنا في معنى التمني، كأنه قيل: ليت لنا كرة ولهذا وقعت الفاء في الجواب. والمعنى: أن الأتباع قالوا: لو رددنا إلى الدنيا حتى نعمل صالحا ونتبرأ منهم كما تبرؤوا منا.

والكاف في قوله: كما تبرؤا منا في محل نصب على النعت لمصدر محذوف وقيل: في محل نصب على الحال، ولا أراه صحيحا. وقوله: كذلك يريهم الله في موضع رفع، أي: الأمر كذلك، أي:

الصفحة السابقة الصفحة التالية