شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

فتح القدير — ج 1

الشوكاني • التفسير • ج1 ص39

دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت

أي أنا هذا، ومنه قوله تعالى: ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم «1» - وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم «2» - تلك آيات الله نتلوها عليك «3» - ذلكم حكم الله يحكم بينكم «4» وقيل إن الإشارة إلى غائب واختلف في ذلك الغائب، فقيل: هو الكتاب الذي كتب على الخلائق بالسعادة والشقاوة والأجل والرزق لا ريب فيه أي لا مبدل له، وقيل ذلك الكتاب الذي كتبه الله على نفسه في الأزل أن رحمته سبقت غضبه، كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما قضى الله الخلق كتب في كتاب على نفسه فهو موضوع عنده: إن رحمتي تغلب غضبي» . وفي رواية «سبقت» .

وقيل الإشارة إلى ما قد نزل بمكة، وقيل إلى ما في التوراة والإنجيل، وقيل إشارة إلى قوله قبله الم، ورجحه الزمخشري، وقد وقع الاختلاف في ذلك إلى تمام عشرة أقوال حسبما حكاه القرطبي وأرجحها ما صدرناه، واسم الإشارة مبتدأ، والكتاب صفته، والخبر لا ريب فيه، ومن جوز الابتداء بالم جعل ذلك مبتدأ ثانيا، وخبره الكتاب أو هو صفته، والخبر لا ريب فيه، والجملة خبر المبتدأ. ويجوز أن يكون المبتدأ مقدرا وخبره الم وما بعده. والريب مصدر، وهو قلق النفس واضطرابها، وقيل إن الريب: الشك. قال ابن أبي حاتم:

لا أعلم في هذا خلافا. وقد يستعمل الريب في التهمة والحاجة، حكى ذلك القرطبي. ومعنى هذا النفي العام أن الكتاب ليس بمظنة للريب لوضوح دلالته وضوحا يقوم مقام البرهان المقتضي، لكونه لا ينبغي الارتياب فيه بوجه من الوجوه، والوقف على فيه هو المشهور. وقد روي عن نافع وعاصم الوقف على لا ريب. قال في الكشاف: ولا بد للواقف من أن ينوي خبرا ونظيره قوله تعالى: قالوا لا ضير «5» وقول العرب: لا بأس، وهي كثيرة في لسان أهل الحجاز، والتقدير: لا ريب فيه، فيه هدى. والهدى مصدر.

قال الزمخشري: وهو الدلالة الموصلة إلى البغية بدليل وقوع الضلال في مقابلته انتهى. ومحله الرفع على الابتداء وخبره الظرف المذكور قبله على ما سبق. قال القرطبي: الهدى هديان: هدى دلالة وهو الذي يقدر عليه الرسل وأتباعهم قال الله تعالى: ولكل قوم هاد «6» وقال: وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم «7» فأثبت لهم الهدى الذي معناه الدلالة والدعوة والتنبيه، وتفرد سبحانه بالهدى الذي معناه التأييد والتوفيق، فقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: إنك لا تهدي من أحببت «8» فالهدى على هذا يجيء بمعنى خلق الإيمان في القلب، ومنه قوله تعالى: أولئك على هدى من ربهم «9» وقوله ولكن الله يهدي من يشاء «10» انتهى. والمتقين من ثبتت لهم التقوى. قال ابن فارس: وأصلها في اللغة قلة الكلام. وقال في الكشاف: المتقي في اللغة: اسم فاعل من قولهم وقاه فاتقى، والوقاية: الصيانة، ومنه: فرس واق، وهذه الدابة تقي من وجاها: إذا أصابها ضلع من غلظ الأرض ورقة الحافر، فهو يقي حافره أن يصيبه أدنى شيء يؤلمه. وهو في الشريعة: الذي يقي نفسه تعاطي ما يستحق به العقوبة من فعل أو ترك انتهى. وأخرج ابن جرير والحاكم وصححه عن ابن مسعود أن الكتاب: القرآن، لا ريب فيه: لا شك فيه. وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: لا ريب فيه قال: لا شك فيه. وأخرج أحمد في الزهد وابن أبي حاتم عن أبي الدرداء قال:

الريب: الشك. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة مثله، وكذا ابن جرير عن مجاهد. وأخرج ابن جرير عن

الصفحة السابقة الصفحة التالية