شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

فتح القدير — ج 2

الشوكاني • التفسير • ج2 ص222

دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت

لهما أي: ليظهر لهما، واللام للعاقبة كما في قوله: ليكون لهم عدوا وحزنا وقيل: هي لام كي، أي: فعل ذلك ليتعقبه الإيذاء، أو لكي يقع الإيذاء. قوله: ما ووري أي: ما ستر وغطي عنهما من سوآتهما سمى الفرج سوءة لأن ظهوره يسوء صاحبه، أراد الشيطان أن يسوءهما بظهور ما كان مستورا عنهما من عوراتهما، فإنهما كانا لا يريان عورة أنفسهما ولا يراها أحدهما من الآخر، وإنما لم تقلب الواو في ووري همزة، لأن الثانية مدة قيل: إنما بدت عورتهما لهما لا لغيرهما، وكان عليهما نور يمنع من رؤيتها وقال أي: الشيطان لهما ما نهاكما ربكما عن أكل هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أن في موضع نصب، وفي الكلام مضاف محذوف تقديره: إلا كراهة أن تكونا ملكين، هكذا قال البصريون. وقال الكوفيون: التقدير لئلا تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين في الجنة أو من الذين لا يموتون. قال النحاس: فضل الله الملائكة على جميع الخلق في غير موضع في القرآن، فمنها هذا، ومنها ولا أقول إني ملك، ومنها لا الملائكة المقربون

. قال ابن فورك: لا حجة في هذه الآية، لأنه يحتمل أن يريد: ملكين في أن لا يكون لهما شهوة في الطعام.

وقد اختلف الناس في هذه المسألة اختلافا كثيرا وأطالوا الكلام في غير طائل، وليست هذه المسألة مما كلفنا الله بعلمه، فالكلام فيها لا يعنينا. وقرأ ابن عباس ويحيى بن أبي كثير والضحاك «ملكين» بكسر اللام، وأنكر أبو عمرو بن العلاء هذه القراءة وقال: لم يكن قبل آدم ملك فيصيرا ملكين. وقد احتج من قرأ بالكسر بقوله تعالى: هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى. قال أبو عبيد: هذه حجة بينة لقراءة الكسر، ولكن الناس على تركها، فلهذا تركناها. قال النحاس: هي قراءة شاذة، وأنكر على أبي عبيد هذا الكلام وجعله من الخطأ الفاحش. قال: وهل يجوز أن يتوهم على آدم عليه السلام أن يصل إلى أكثر من ملك الجنة وهي غاية الطالبين، وإنما معنى وملك لا يبلى المقام في ملك الجنة والخلود فيه. قوله: وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين أي: حلف لهما فقال: أقسم إقساما أي: حلف، ومنه قول الشاعر:

وقاسمها بالله جهدا لأنتما ... ألذ من السلوى إذا ما نشورها «1»

وصيغة المفاعلة وإن كانت في الأصل تدل على المشاركة فقد جاءت كثيرا لغير ذلك. وقد قدمنا تحقيق هذا في المائدة، والمراد بها هنا المبالغة في صدور الأقسام لهما من إبليس وقيل إنهما أقسما له بالقبول كما أقسم لهما على المناصحة. قوله: فدلاهما بغرور التدلية والإدلاء: إرسال الشيء من أعلى إلى أسفل، يقال:

أدلى دلوه: أرسلها، والمعنى: أنه أهبطهما بذلك من الرتبة العلية إلى الأكل من الشجرة وقيل معناه: أوقعهما في الهلاك وقيل: خدعهما، وأنشد نفطويه:

إن الكريم إذا تشاء خدعته ... وترى اللئيم مجربا لا يخدع

الصفحة السابقة الصفحة التالية