فتح القدير — ج 2
الشوكاني • التفسير • ج2 ص251
دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
في قصة هود وبوأكم في الأرض أي: جعل لكم فيها مباءة، وهي المنزل الذي تسكنونه تتخذون من سهولها قصورا أي: تتخذون من سهولة الأرض قصورا، أو هذه الجملة مبينة لجملة: وبوأكم في الأرض، وسهول الأرض ترابها، يتخذون منه اللبن والآجر ونحو ذلك فيبنون به القصور وتنحتون الجبال بيوتا أي تتخذون في الجبال التي هي صخور بيوتا تسكنون فيها، وقد كانوا لقوتهم وصلابة أبدانهم ينحتون الجبال فيتخذون فيها كهوفا يسكنون فيها لأن الأبنية والسقوف كانت تفنى قبل فناء أعمارهم، وانتصاب بيوتا على أنها حال مقدرة، أو على أنها مفعول ثان لتنتحون على تضمينه معنى تتخذون. قوله فاذكروا آلاء الله تقدم تفسيره في القصة التي قبل هذه. قوله ولا تعثوا في الأرض مفسدين العثي والعثو لغتان، وقد تقدم تحقيقه في البقرة بما يغني عن الإعادة قال الملأ الذين استكبروا من قومه:
أي: قال الرؤساء المستكبرون من قوم صالح للمستضعفين الذين استضعفهم المستكبرون، ولمن آمن منهم بدل من الذين استضعفوا بإعادة حرف الجر بدل البعض من الكل، لأن في المستضعفين من ليس بمؤمن هذا على عود ضمير منهم إلى الذين استضعفوا، فإن عاد إلى قومه كان بدل كل من المستضعفين، ومقول القول: أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه قالوا هذا على طريق الاستهزاء والسخرية. قوله:
قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون أجابوهم بأنهم مؤمنون برسالته، مع كون سؤال المستكبرين لهم إنما هو عن العلم منهم، هل تعلمون برسالته أم لا؟ مسارعة إلى إظهار ما لهم من الإيمان، وتنبيها على أن كونه مرسلا أمر واضح مكشوف لا يحتاج إلى السؤال عنه، فأجابوا تمردا وعنادا بقولهم إنا بالذي آمنتم به كافرون وهذه الجمل المعنوية يقال مستأنفة لأنها جوابات عن سؤالات مقدرة كما سبق بيانه. قوله فعقروا الناقة العقر: الجرح، وقيل: قطع عضو يؤثر في تلف النفس يقال: عقرت الفرس: إذا ضربت قوائمه بالسيف، وقيل أصل العقر: كسر عرقوب البعير، ثم قيل للنحر عقر لأن العقر سبب النحر في الغالب، وأسند العقر إلى الجميع مع كون العاقر واحدا منهم، لأنهم راضون بذلك موافقون عليه. وقد اختلف في عاقر الناقة ما كان اسمه، فقيل قدار بن سالف، وقيل غير ذلك وعتوا عن أمر ربهم أي: استكبروا، يقال عتا يعتو عتوا: استكبر، وتعتى فلان: إذا لم يطع، والليل العاتي: الشديد الظلمة وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا من العذاب إن كنت من المرسلين هذا استعجال منهم للنقمة وطلب منهم لنزول العذاب وحلول البلية بهم فأخذتهم الرجفة أي الزلزلة، يقال رجف الشيء يرجف رجفانا، وأصله حركة مع صوت، ومنه يوم ترجف الراجفة «1» وقيل كانت صيحة شديدة خلعت قلوبهم فأصبحوا في دارهم أي بلدهم جاثمين لاصقين بالأرض على ركبهم ووجوههم كما يجثم الطائر، وأصل الجثوم للأرنب وشبهها، وقيل للناس والطير. والمراد أنهم أصبحوا في دورهم ميتين لا حراك بهم فتولى عنهم صالح عند اليأس من إجابتهم وقال لهم المقالة: لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين ويحتمل أنه قال لهم هذه المقالة بعد موتهم على طريق الحكاية لحالهم الماضية، كما وقع من النبي صلى الله عليه وسلم من التكليم لأهل قليب بدر بعد موتهم، أو قالها لهم عند نزول العذاب بهم، وكأنه كان مشاهدا لذلك فتحسر على ما