فتح القدير — ج 2
الشوكاني • التفسير • ج2 ص282
دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
قوله واتخذ قوم موسى من بعده أي: من بعد خروجه إلى الطور من حليهم متعلق ب:
اتخذ أو بمحذوف وقع حالا، ومن للتبعيض، أو للابتداء، أو للبيان، والحلي: جمع حلي، وقرأ أهل المدينة وأهل البصرة من حليهم بضم الحاء وتشديد الياء. وقرأ أهل الكوفة إلا عاصما بكسر الحاء. وقرأ يعقوب بفتح الحاء وتخفيف الياء، قال النحاس: جمع حلي وحلي وحلي مثل ثدي وثدي وثدي، والأصل حلوي أدغمت الواو في الياء فانكسرت اللام لمجاورتها الياء وتكسر الحاء لكسرة اللام وضمها على الأصل، وأضيفت الحلي إليهم وإن كانت لغيرهم لأن الإضافة تجوز لأدنى ملابسة، وعجلا مفعول اتخذ، وقيل: هو بمعنى التصيير فيتعدى إلى مفعولين ثانيهما محذوف، أي: اتخذوا عجلا إلها، وجسدا بدل من عجلا، وقيل:
وصف له، والخوار: الصياح يقال: خار يخور خوارا إذا صاح، وكذلك جأر يجأر جؤارا. ونسب اتخاذ العجل إلى القوم جميعا مع أنه اتخذه السامري وحده لكونه واحدا منهم، وهم راضون بفعله. روي أنه لما وعد موسى قومه ثلاثين ليلة فأبطأ عليهم في العشر المزيدة، قال السامري لبني إسرائيل، وكان مطاعا فيهم:
إن معكم حليا من حلي آل فرعون الذي استعرتموه منهم لتتزينوا به في العيد وخرجتم وهو معكم، وقد أغرق الله أهله من القبط فهاتوها، فدفعوها إليه فاتخذ منها العجل المذكور. قوله ألم يروا أنه لا يكلمهم الاستفهام للتقريع والتوبيخ، أي: ألم يعتبروا بأن هذا الذي اتخذوه إلها لا يقدر على تكليمهم، فضلا عن أن يقدر على جلب نفع لهم، أو دفع ضر عنهم ولا يهديهم سبيلا أي: طريقا واضحة يسلكونها اتخذوه وكانوا ظالمين أي: اتخذوه إلها وكانوا ظالمين لأنفسهم في اتخاذه أو في كل شيء، ومن جملة ذلك: هذا الاتخاذ. قوله ولما سقط في أيديهم أي: ندموا وتحيروا بعد عود موسى من الميقات يقال للنادم المتحير: قد سقط في يده. قال الأخفش: يقال سقط في يده وأسقط، ومن قال: سقط في أيديهم على البناء للفاعل، فالمعنى عنده: سقط الندم، وأصله أن من شأن من اشتد ندمه وحسرته أن يعض يده غما فتصير يده مسقوطا فيها، لأن فاه قد وقع فيها. وقال الأزهري والزجاج والنحاس وغيرهم: معنى سقط في أيديهم: أي في قلوبهم وأنفسهم، كما يقال: حصل في يده مكروه، وإن كان محالا أن يكون في اليد، تشبيها لما يحصل في القلب والنفس بما يحصل في اليد لأن مباشرة الأشياء في الغالب باليد، قال الله تعالى: ذلك بما قدمت يداك وأيضا الندم وإن حل القلب فأثره يظهر في البدن، لأن النادم يعض يده ويضرب إحدى يديه على الأخرى، قال الله تعالى: فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها «1» ومنه ويوم يعض الظالم على يديه «2» أي: من الندم، وأيضا: النادم يضع ذقنه في يده ورأوا أنهم قد ضلوا معطوف على سقط، أي: تبينوا أنهم قد ضلوا باتخاذهم العجل وأنهم قد ابتلوا بمعصية الله سبحانه قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا قرأ حمزة والكسائي بالفوقية في الفعلين جميعا، وقرأ الباقون بالتحتية، واللام للقسم، وجوابه لنكونن من الخاسرين وفي هذا الكلام منهم ما يفيد الاستغاثة بالله والتضرع والابتهال في السؤال، وسيأتي في سورة طه إن شاء الله ما يدل على أن هذا الكلام المحكي عنهم هنا وقع بعد رجوع موسى، وإنما قدم هنا على رجوعه لقصد حكاية ما صدر عنهم من القول والفعل في موضع واحد. قوله ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا