فتح القدير — ج 2
الشوكاني • التفسير • ج2 ص333
دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
به ليرفع عنكم الأحداث ويذهب عنكم رجز الشيطان أي: وسوسته لكم، بما كان قد سبق إلى قلوبهم من الخواطر التي هي منه، من الخوف والفشل، حتى كانت حالهم حال من يساق إلى الموت وليربط على قلوبكم فيجعلها صابرة قوية ثابتة في مواطن الحرب، والضمير في به من قوله: ويثبت به الأقدام راجع إلى الماء الذي أنزله الله، أي: يثبت بهذا الماء الذي أنزله عليكم عند الحاجة إليه أقدامكم في مواطن القتال وقيل: الضمير راجع إلى الرابط المدلول عليه بالفعل. قوله: إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم الظرف منصوب بفعل محذوف خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم لأنه لا يقف على ذلك سواه، أي: واذكر يا محمد وقت إيحاء ربك إلى الملائكة وقيل: هو بدل من إذ يعدكم كما تقدم، ولكنه يأبى ذلك أن هذا لا يقف عليه المسلمون فلا يكون من جملة النعم التي عددها الله عليهم وقيل: العامل فيه يثبت فيكون المعنى: يثبت الأقدام وقت الوحي وليس لهذا التقييد معنى، وقيل: العامل فيه ليربط ولا وجه لتقييد الربط على القلوب بوقت الإيحاء، ومعنى الآية: أني معكم بالنصر والمعونة، فعلى قراءة الفتح للهمزة هو مفعول يوحي وعلى قراءة الكسر يكون بتقدير القول. ومعنى فثبتوا الذين آمنوا بشروهم بالنصر أو ثبتوهم على القتال بالحضور معهم، وتكثير سوادهم، وهذا أمر منه سبحانه للملائكة الذين أوحى إليهم بأنه معهم، والفاء: لترتيب ما بعدها على ما قبلها. قوله: سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب قد تقدم بيان معنى إلقاء الرعب في آل عمران، قيل: هذه الجملة تفسير لقوله: أني معكم. قوله: فاضربوا فوق الأعناق قيل: المراد الأعناق أنفسها وفوق زائدة. قاله الأخفش وغيره. وقال محمد بن يزيد:
هذا خطأ، لأن فوق يفيد معنى فلا يجوز زيادتها ولكن المعنى أنه أبيح لهم ضرب الوجوه وما قرب منها وقيل المراد بما فوق الأعناق: الرؤوس وقيل: المراد بفوق الأعناق: أعاليها لأنها المفاصل الذي يكون الضرب فيها أسرع إلى القطع. قيل: وهذا أمر للملائكة، وقيل: للمؤمنين، وعلى الأول قيل: هو تفسير لقوله:
فثبتوا الذين آمنوا. قوله: واضربوا منهم كل بنان قال الزجاج: واحد البنان بنانة، وهي هنا الأصابع وغيرها من الأعضاء، والبنان مشتق من قولهم: أبن الرجل بالمكان: إذا أقام به، لأنه يعمل بها ما يكون للإقامة والحياة وقيل: المراد بالبنان هنا: أطراف الأصابع من اليدين والرجلين، وهو عبارة عن الثبات في الحرب، فإذا ضربت البنان تعطل من المضروب القتال بخلاف سائر الأعضاء. قال عنترة:
وكان فتى الهيجاء يحمي ذمارها ... ويضرب عند الكرب كل بنان
وقال عنترة أيضا:
وإن الموت طوع يدي إذا ما ... وصلت بنانها بالهندواني
قال ابن فارس: البنان: الأصابع، ويقال: الأطراف، والإشارة بقوله: لك
إلى ما وقع عليهم من القتل، ودخل في قلوبهم من الرعب، وهو مبتدأ، وأنهم شاقوا الله ورسوله
خبره، أي: ذلك بسبب مشاقتهم، والشقاق أصله: أن يصير كل واحد من الخصمين في شق، وقد تقدم تحقيق ذلك
#