فتح القدير — ج 2
الشوكاني • التفسير • ج2 ص50
دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
عن التغيير والتبديل، والجار والمجرور متعلق بيحكم: أي يحكمون بها بسبب هذا الاستحفاظ. قوله:
وكانوا عليه شهداء أي على كتاب الله، والشهداء: الرقباء، فهم يحمونه عن التغيير والتبديل بهذه المراقبة، والخطاب بقوله: فلا تخشوا الناس لرؤساء اليهود، وكذا في قوله: ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا والاشتراء الاستبدال، وقد تقدم تحقيقه. قوله: ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون لفظ من من صيغ العموم فيفيد أن هذا غير مختص بطائفة معينة بل بكل من ولي الحكم وقيل: إنها مختصة بأهل الكتاب وقيل: بالكفار مطلقا لأن المسلم لا يكفر بارتكاب الكبيرة وقيل: هو محمول على أن الحكم بغير ما أنزل الله وقع استخفافا، أو استحلالا، والإشارة بقوله: فأولئك إلى من، والجمع باعتبار معناها، وكذلك ضمير الجماعة في قوله: هم الكافرون.
وقد أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر قال: هم اليهود من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم قال: هم المنافقون. وأخرج أحمد وأبو داود وابن جرير وابن المنذر والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عنه قال: إن الله أنزل ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون الظالمون الفاسقون أنزلها الله في طائفتين من اليهود قهرت إحداهما الأخرى في الجاهلية، حتى اصطلحوا على أن كل قتيل قتلته العزيزة من الذليلة فديته خمسون وسقا، وكل قتيل قتلته الذليلة من العزيزة فديته مائة وسق، فكانوا على ذلك حتى قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فذلت الطائفتان كلتاهما لمقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ لم يظهر عليهم، فقتلت الذليلة من العزيزة، فأرسلت العزيزة إلى الذليلة أن ابعثوا إلينا بمائة وسق، فقالت الذليلة: وهل كان هذا في حيين قط دينهما واحد ونسبهما واحد وبلدهما واحد ودية بعضهم نصف دية بعض؟ إنما أعطيناكم هذا ضيما منكم لنا وفرقا منكم، فأما إذ قدم محمد صلى الله عليه وسلم فلا نعطيكم ذلك، فكادت الحرب تهيج بينهما، ثم ارتضوا على أن جعلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما، ففكرت العزيزة فقالت: والله ما محمد يعطيكم منهم ضعف ما نعطيهم منكم، ولقد صدقوا، ما أعطونا هذا إلا ضيما وقهرا لهم، فدسوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من يخبر لكم رأيه، فإن أعطاكم ما تريدون حكمتوه، وإن لم يعطكم حذرتموه ولم تحكموه فدسوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ناسا من المنافقين يختبرون لهم رأيه، فلما جاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر الله رسوله بأمرهم كله وما أرادوا، فأنزل الله يا أيها الرسول لا يحزنك إلى قوله: ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ثم قال فيهم: «والله فيهم أنزلت وإياهم عنى» . وأخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد وأبو داود وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن أبي هريرة قال: «أول مرجوم رجمه رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليهود، زنى رجل منهم وامرأة، فقال بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلى هذا النبي، فإنه نبي بعث بالتخفيف، فإن أفتانا بفتيا دون الرجم قبلناها واحتججنا بها عند الله وقلنا: فتيا نبي من أنبيائك، قال: فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد وأصحابه، فقالوا: يا أبا القاسم ما ترى في رجل وامرأة منا زنيا، فلم يكلمهم حتى أتى بيت مدراسهم، فقام على الباب فقال: أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى ما تجدون في التوراة
#