فتح القدير — ج 2
الشوكاني • التفسير • ج2 ص64
دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
هم أضل من غيرهم عن الطريق المستقيم، والتفضيل في الموضعين للزيادة مطلقا أو لكونهم أشر وأضل مما يشاركهم في أصل الشرارة والضلال. قوله: وإذا جاؤكم قالوا آمنا أي إذا جاءوكم أظهروا الإسلام.
قوله: وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به جملتان حاليتان: أي جاءوكم حال كونهم قد دخلوا عندك متلبسين بالكفر وخرجوا من عندك متلبسين به لم يؤثر فيهم ما سمعوا منك، بل خرجوا كما دخلوا والله أعلم بما كانوا يكتمون عندك من الكفر، وفيه وعيد شديد، وهؤلاء هم المنافقون وقيل: هم اليهود الذين قالوا: آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره «1» . قوله: وترى كثيرا منهم يسارعون في الإثم الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل من يصلح له، والضمير في منهم عائد إلى المنافقين أو اليهود أو إلى الطائفتين جميعا ويسارعون في الإثم في محل نصب على الحال على أن الرؤية بصرية أو هو مفعول ثان لترى على أنها قلبية، والمسارعة: المبادرة، والإثم: الكذب أو الشرك أو الحرام، والعدوان: الظلم المتعدي إلى الغير أو مجاوزة الحد في الذنوب، والسحت: الحرام، فعلى قول من فسر الإثم بالحرام يكون تكريره للمبالغة، والربانيون علماء النصارى، والأحبار: علماء اليهود وقيل: الكل من اليهود لأن هذه الآيات فيهم ثم وبخ علماءهم في تركهم لنهيهم فقال: لبئس ما كانوا يصنعون وهذا فيه زيادة على قوله: لبئس ما كانوا يعملون لأن العمل لا يبلغ درجة الصنع حتى يتدرب فيه صاحبه، ولهذا تقول العرب: سيف صنيع: إذا جود عامله عمله، فالصنع هو العمل الجيد لا مطلق العمل، فوبخ سبحانه الخاصة، وهم العلماء التاركون للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بما هو أغلظ وأشد من توبيخ فاعل المعاصي، فليفتح العلماء لهذه الآية مسامعهم ويفرجوا لها عن قلوبهم، فإنها قد جاءت بما فيه البيان الشافي لهم بأن كفهم عن المعاصي مع ترك إنكارهم على أهلها لا يسمن ولا يغني من جوع، بل هم أشد حالا وأعظم وبالا من العصاة، فرحم الله عالما قام بما أوجبه الله عليه من فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهو أعظم ما افترضه الله عليه وأوجب ما أوجب عليه النهوض به. اللهم اجعلنا من عبادك الصالحين الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر الذين لا يخافون فيك لومة لائم، وأعنا على ذلك وقونا عليه ويسره لنا، وانصرنا على من تعدى حدودك وظلم عبادك، إنه لا ناصر لنا سواك ولا مستعان غيرك، يا مالك يوم الدين، إياك نعبد وإياك نستعين.
وقد أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: وكان رفاعة ابن زيد بن التابوت وسويد بن الحارث قد أظهرا الإسلام ونافقا، وكان رجال من المسلمين يوادونهما، فأنزل الله يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا إلى قوله: والله أعلم بما كانوا يكتمون. وأخرج البيهقي في الدلائل من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله: وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا قال: كان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نادى بالصلاة فقام المسلمون إلى الصلاة، قالت اليهود والنصارى: قد قاموا لا قاموا، فإذا رأوهم ركعوا وسجدوا استهزءوا بهم وضحكوا منهم. قال: وكان رجل من اليهود تاجرا إذا سمع المنادي ينادي بالأذان قال: أحرق الله الكاذب قال: فبينما هو كذلك إذ دخلت جاريته بشعلة من نار، فطارت شرارة منها في البيت فأحرقته.