شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

فتح القدير — ج 2

الشوكاني • التفسير • ج2 ص68

دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت

عليهم السماء مدرارا ومن تحت أرجلهم قال: تخرج الأرض من بركتها. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن الربيع بن أنس قال: الأمة المقتصدة: الذين لا هم فسقوا في الدين ولا هم غلوا. قال: والغلو:

الرغبة. والفسق: التقصير عنه. وأخرج أبو الشيخ عن السدي أمة مقتصدة يقول: مؤمنة. وأخرج ابن مردويه قال: حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا أحمد بن يونس الضبي، حدثنا عاصم بن علي، حدثنا أبو معشر عن يعقوب بن زيد بن طلحة عن زيد بن أسلم عن أنس بن مالك قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر حديثا، قال: ثم حدثهم النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تفرقت أمة موسى على اثنتين وسبعين ملة، واحدة منها في الجنة وإحدى وسبعون منها في النار وتفرقت أمة عيسى على اثنتين وسبعين ملة، واحدة منها في الجنة وإحدى وسبعون منها في النار، تعلو أمتي على الفريقين جميعا ملة واحدة في الجنة وثنتان وسبعون منها في النار، قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: الجماعات الجماعات» . قال يعقوب بن زيد: كان علي بن أبي طالب إذا حدث بهذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا فيه قرآنا، قال: ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم إلى قوله: منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون وتلا أيضا وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون «1» يعني أمة محمد صلى الله عليه وسلم. قال ابن كثير في تفسيره بعد ذكره لهذا الحديث ما لفظه: وحديث افتراق الأمم إلى بضع وسبعين مروي من طرق عديدة قد ذكرناها في موضع آخر، انتهى. قلت: أما زيادة كونها في النار إلا واحدة، فقد ضعفها جماعة من المحدثين، بل قال ابن حزم:

إنها موضوعة.

[سورة المائدة (5) : آية 67]

يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين (67)

العموم الكائن في ما أنزل يفيد أنه يجب عليه صلى الله عليه وسلم أن يبلغ جميع ما أنزله الله إليه لا يكتم منه شيئا.

وفيه دليل على أنه لم يسر إلى أحد مما يتعلق بما أنزله الله إليه شيئا، ولهذا ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: من زعم أن محمدا صلى الله عليه وسلم كتم شيئا من الوحي فقد كذب. وفي صحيح البخاري من حديث أبي جحيفة وهب بن عبد الله السوائي قال: قلت لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: هل عندكم شيء من الوحي مما ليس في القرآن؟ فقال: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إلا فهما يعطيه الله رجلا في القرآن وما في هذه الصحيفة، قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر. وإن لم تفعل ما أمرت به من تبليغ الجميع بل كتمت ولو بعضا من ذلك فما بلغت رسالاته. قرأ أبو عمرو وأهل الكوفة إلا شعبة رسالته على التوحيد. وقرأ أهل المدينة وأهل الشام رسالاته على الجمع، قال النحاس: والجمع أبين لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينزل عليه الوحي شيئا فشيئا، ثم يبينه، انتهى.

وفيه نظر، فإن نفي التبليغ عن الرسالة الواحدة أبلغ من نفيه عن الرسالات، كما ذكره علماء البيان على خلاف في ذلك، وقد بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته ما نزل إليهم، وقال لهم في غير موطن: هل بلغت؟ فيشهدون له

الصفحة السابقة الصفحة التالية