فتح القدير — ج 2
الشوكاني • التفسير • ج2 ص12
دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
فأصيب، فقال: إذا رميت بالمعراض فخزق فكله، وإن أصاب بعرضه فإنما هو وقيذ فلا تأكله» فقد اعتبر صلى الله عليه وسلم الخزق وعدمه، فالحق أنه لا يحل إلا ما خزق لا ما صدم، فلا بد من التذكية قبل الموت وإلا كان وقيذا. وأما البنادق المعروفة الآن: وهي بنادق الحديد التي يجعل فيها البارود والرصاص ويرمى بها، فلم يتكلم عليها أهل العلم لتأخر حدوثها، فإنها لم تصل إلى الديار اليمنية إلا في المائة العاشرة من الهجرة، وقد سألني جماعة من أهل العلم عن الصيد بها إذا مات ولم يتمكن الصائد من تذكيته حيا. والذي يظهر لي أنه حلال لأنها تخزق وتدخل في الغالب من جانب منه وتخرج من الجانب الآخر، وقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح السابق: «إذا رميت بالمعراض فخزق فكله» فاعتبر الخزق في تحليل الصيد. قوله: والمتردية هي التي تتردى من علو إلى أسفل فتموت من غير فرق بين أن تتردى من جبل أو بئر أو مدفن أو غيرها، والتردي مأخوذ من الردى وهو الهلاك وسواء تردت بنفسها أو رداها غيرها. قوله: والنطيحة هي فعيلة بمعنى مفعولة، وهي التي تنطحها أخرى فتموت من دون تذكية.
وقال قوم أيضا: فعيلة بمعنى فاعلة، لأن الدابتين تتناطحان فتموتان، وقال: نطيحة ولم يقل نطيح مع أنه قياس فعيل، لأن لزوم الحذف مختص بما كان من هذا الباب صفة لموصوف مذكور فإن لم يذكر ثبتت التاء للنقل من الوصفية إلى الاسمية. وقرأ أبو ميسرة: والمنطوحة. قوله: وما أكل السبع أي ما افترسه ذو ناب كالأسد والنمر والذئب والضبع ونحوها، والمراد هنا ما أكل منه السبع، لأن ما أكله السبع كله قد فني، ومن العرب من يخص اسم السبع بالأسد، وكانت العرب إذا أكل السبع شاة، ثم خلصوها منه أكلوها، وإن ماتت لم يذكوها. وقرأ الحسن وأبو حيوة: السبع بسكون الباء، وهي لغة لأهل نجد، ومنه قول حسان في عتبة بن أبي لهب:
من يرجع العام إلى أهله ... فما أكيل السبع بالراجع
وقرأ ابن مسعود: «وأكيلة السبع» . وقرأ ابن عباس «وأكيل السبع» . قوله: إلا ما ذكيتم في محل نصب على الاستثناء المتصل عند الجمهور، وهو راجع على ما أدركت ذكاته من المذكورات سابقا، وفيه حياة، وقال المدنيون: وهو المشهور من مذهب مالك، وهو أحد قولي الشافعي أنه إذا بلغ السبع منها إلى ما لا حياة معه فإنها لا تؤكل. وحكاه في الموطأ عن زيد بن ثابت، وإليه ذهب إسماعيل القاضي، فيكون الاستثناء على هذا القول منقطعا أي حرمت عليكم هذه الأشياء، لكن ما ذكيتم فهو الذي يحل ولا يحرم، والأول أولى. والذكاة في كلام العرب الذبح، قاله قطرب وغيره. وأصل الذكاة في اللغة: التمام أي تمام استكمال القوة، والذكاء حدة القلب، والذكاء سرعة الفطنة، والذكوة ما تذكى منه النار، ومنه أذكيت الحرب والنار: أوقدتهما، وذكاء اسم الشمس، والمراد هنا: إلا ما أدركتم ذكاته على التمام، والتذكية في الشرع: عبارة عن إنهار الدم، وفري الأوداج في المذبوح والنحر في المنحور والعقر في غير المقدور مقرونا بالقصد لله، وذكر اسمه عليه. وأما الآلة التي تقع بها الذكاة، فذهب الجمهور إلى أن كل ما أنهر الدم، وفرى الأوداج، فهو آلة للذكاة ما خلا السن والعظم، وبهذا جاءت الأحاديث الصحيحة. قوله: وما ذبح على النصب قال ابن فارس: النصب حجر كان ينصب فيعبد ويصب عليه دماء الذبائح، والنصائب حجارة تنصب حوالي شفير البئر فتجعل عضائد. وقيل النصب: جمع واحده نصاب، كحمار وحمر. وقرأ طلحة بضم النون وسكون الصاد. وروي عن أبي عمرو بفتح النون وسكون الصاد. وقرأ الجحدري
#