فتح القدير — ج 3
الشوكاني • التفسير • ج3 ص117
دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
وترك ما سواه مريب أي: موجب للريب، يقال: أربته إذا فعلت أمرا أوجب ريبة وشكا، والريب:
قلق النفس وعدم سكونها. وقد قيل: كيف صرحوا بالكفر ثم أقرهم على الشك. وأجيب بأنهم أرادوا إنا كافرون برسالتكم، وإن نزلنا عن هذا المقام فلا أقل من أنا نشك في صحة نبوتكم، ومع كمال الشك لا مطمع في الاعتراف بنبوتكم. وجملة قالت رسلهم أفي الله شك مستأنفة جواب سؤال مقدر، كأنه قيل:
فماذا قالت لهم الرسل؟ والاستفهام للتقريع والتوبيخ، أي: أفي وحدانيته سبحانه شك، وهي في غاية الوضوح والجلاء، ثم إن الرسل ذكروا بعد إنكارهم على الكفار ما يؤكد ذلك الإنكار من الشواهد الدالة على عدم الشك في وجوده سبحانه ووحدانيته. فقالوا: فاطر السماوات والأرض أي خالقهما ومخترعهما ومبدعهما وموجدهما بعد العدم يدعوكم إلى الإيمان به وتوحيده ليغفر لكم من ذنوبكم قال أبو عبيدة: من زائدة، ووجه ذلك قوله في موضع آخر: إن الله يغفر الذنوب جميعا، وقال سيبويه:
هي للتبعيض، ويجوز أن يذكر البعض ويراد منه الجميع وقيل: التبعيض على حقيقته، ولا يلزم من غفران جميع الذنوب لأمة محمد صلى الله عليه وسلم غفران جميعها لغيرهم، وبهذه الآية احتج من جوز زيادة من في الإثبات وقيل:
من للبدل وليست بزائدة ولا تبعيضية، أي: لتكون المغفرة بدلا من الذنوب ويؤخركم إلى أجل مسمى أي: إلى وقت مسمى عنده سبحانه، وهو الموت فلا يعذبكم في الدنيا قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا أي:
ما أنتم إلا بشر مثلنا في الهيئة والصورة، تأكلون وتشربون كما نأكل ونشرب ولستم ملائكة تريدون أن تصدونا وصفوهم بالبشر أولا، ثم بإرادة الصد لهم عما كان يعبد آباؤهم ثانيا، أي: تريدون أن تصرفونا عن معبودات آبائنا من الأصنام ونحوها فأتونا إن كنتم صادقين بأنكم مرسلون من عند الله بسلطان مبين أي بحجة ظاهرة تدل على صحة ما تدعونه، وقد جاءوهم بالسلطان المبين والحجة الظاهرة، ولكن هذا النوع من تعنتاتهم، ولون من تلوناتهم قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم أي: ما نحن في الصورة والهيئة إلا بشر مثلكم كما قلتم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده أي: يتفضل على من يشاء منهم بالنبوة وقيل: بالتوفيق والهداية وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان أي: ما صح ولا استقام لنا أن نأتيكم بحجة من الحجج إلا بإذن الله أي: إلا بمشيئته وليس ذلك في قدرتنا. قيل: المراد بالسلطان هنا هو ما يطلبه الكفار من الآيات على سبيل التعنت، وقيل أعم من ذلك، فإن ما شاءه الله كان وما لم يشأه لم يكن وعلى الله فليتوكل المؤمنون أي: عليه وحده، وهذا أمر منهم للمؤمنين بالتوكل على الله دون من عداه، وكأن الرسل قصدوا بهذا الأمر للمؤمنين الأمر لهم أنفسهم قصدا أوليا، ولهذا قالوا وما لنا ألا نتوكل على الله أي: وأي عذر لنا في ألا نتوكل عليه سبحانه وقد هدانا سبلنا أي: والحال أنه قد فعل بنا ما يوجب توكلنا عليه من هدايتنا إلى الطريق الموصل إلى رحمته، وهو ما شرعه لعباده وأوجب عليهم سلوكه ولنصبرن على ما آذيتمونا بما يقع منكم من التكذيب لنا والاقتراحات الباطلة وعلى الله وحده دون من عداه فليتوكل المتوكلون قيل: المراد بالتوكل الأول استحداثه، وبهذا السعي في بقائه وثبوته وقيل: معنى الأول: إن الذين يطلبون المعجزات يجب عليهم أن يتوكلوا في حصولها على
#