فتح القدير — ج 3
الشوكاني • التفسير • ج3 ص120
دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
وعيدي بالعذاب، وقيل: بالقرآن وزواجره، وقيل: هو نفس العذاب، والوعيد الاسم من الوعد واستفتحوا معطوف على أوحى، والمعنى: أنهم استنصروا بالله على أعدائهم، أو سألوا الله القضاء بينهم، من الفتاحة وهي الحكومة ومن المعنى الأول قوله: إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح «1» أي: إن تستنصروا فقد جاءكم النصر ومن المعنى الثاني قوله: ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق «2» أي: احكم، والضمير في استفتحوا للرسل وقيل: للكفار، وقيل: للفريقين وخاب كل جبار عنيد الجبار المتكبر الذي لا يرى لأحد عليه حقا، هكذا حكاه النحاس عن أهل اللغة، والعنيد: المعاند للحق والمجانب له، وهو مأخوذ من العند، وهو الناحية، أي: أخذ في ناحية معرضا. قال الشاعر:
إذا نزلت فاجعلوني وسطا ... إني كبير لا أطيق العندا
قال الزجاج: العنيد: الذي يعدل عن القصد، وبمثله قال الهروي. وقال أبو عبيد: هو الذي عند وبغى، وقال ابن كيسان: هو الشامخ بأنفه وقيل: المراد به العاصي، وقيل: الذي أبى أن يقول لا إله إلا الله ومعنى الآية: أنه خسر وهلك من كان متصفا بهذه الصفة من ورائه جهنم أي: من بعده جهنم، والمراد بعد هلاكه على أن وراءها هنا بمعنى بعد، ومنه قول النابغة:
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وليس وراء الله للمرء مذهب
أي: ليس بعد الله، ومثله قوله: ومن ورائه عذاب غليظ أي: من بعده. كذا قال الفراء، وقيل: من ورائه أي: من أمامه. قال أبو عبيد: هو من أسماء الأضداد، لأن أحدهما ينقلب إلى الآخر، ومنه قول الشاعر:
ومن ورائك يوم أنت بالغه ... لا حاضر معجز عنه ولا بادي
وقال آخر:
أترجو بنو مروان سمعي وطاعتي ... وقومي تميم والفلاة ورائيا
أي: أمامي. ومنه قوله تعالى: وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا «3» أي: أمامهم، وبقول أبي عبيدة هذا قال قطرب. وقال الأخفش: هو كما يقال: هذا الأمر من ورائك أي: سوف يأتيك، وأنا من وراء فلان، أي: في طلبه. وقال النحاس: من ورائه أي: من أمامه، وليس من الأضداد، ولكنه من توارى أي: استتر فصارت جهنم من ورائه، لأنها لا ترى، وحكى مثله ابن الأنباري ويسقى من ماء صديد معطوف على مقدر جوابا عن سؤال سائل. كأنه قيل: فماذا يكون إذن؟ قيل: يلقى فيها ويسقى، والصديد ما يسيل من جلود أهل النار واشتقاقه من الصد. لأنه يصد الناظرين عن رؤيته، وهو دم مختلط بقيح، والصديد صفة لماء، وقيل: عطف بيان عنه ويتجرعه في محل جر على أنه صفة لماء،