فتح القدير — ج 3
الشوكاني • التفسير • ج3 ص132
دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
وليس هناك مخاللة حتى يشفع الخليل لخليله وينقذه من العذاب، فأمرهم سبحانه بالإنفاق في وجوه الخير مما رزقهم الله ما داموا في الحياة الدنيا قادرين على إنفاق أموالهم من قبل أن يأتي يوم القيامة، فإنهم لا يقدرون على ذلك بل لا مال لهم إذ ذاك، فالجملة أعني من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال لتأكيد مضمون الأمر بالإنفاق مما رزقهم الله، ويمكن أن يكون فيها أيضا تأكيد لمضمون الأمر بإقامة الصلاة، وذلك لأن تركها كثيرا ما يكون بسبب الاشتغال بالبيع ورعاية حقوق الأخلاء، وقد تقدم في البقرة تفسير البيع والخلال الله الذي خلق السماوات والأرض أي: أبدعهما واخترعهما على غير مثال وخلق ما فيهما من الأجرام العلوية والسفلية، والاسم الشريف مبتدأ وما بعده خبره وأنزل من السماء ماء المراد بالسماء هنا جهة العلو، فإنه يدخل في ذلك الفلك عند من قال: إن ابتداء المطر منه، ويدخل فيه السحاب عند من قال:
إن ابتداء المطر منها، وتدخل فيه الأسباب التي تثير السحاب كالرياح، وتنكير الماء هنا للنوعية، أي: نوعا من أنواع الماء، وهو ماء المطر فأخرج به من الثمرات رزقا لكم أي: أخرج بذلك الماء من الثمرات المتنوعة رزقا لبني آدم يعيشون به، و «من» في من الثمرات للبيان كقولك: أنفقت من الدراهم وقيل: للتبعيض لأن الثمرات منها ما هو رزق لبني آدم، ومنها ما ليس برزق لهم، وهو ما لا يأكلونه ولا ينتفعون به وسخر لكم الفلك فجرت على إرادتكم واستعملتموها في مصالحكم، ولذا قال: لتجري في البحر كما تريدون وعلى ما تطلبون بأمره أي: بأمر الله ومشيئته، وقد تقدم تفسير هذا في البقرة وسخر لكم الأنهار أي: ذللها لكم بالركوب عليها والإجراء لها إلى حيث تريدون وسخر لكم الشمس والقمر لتنتفعوا بهما وتستضيئوا بضوئهما، وانتصاب دائبين على الحال، والدؤوب:
مرور الشيء في العمل على عادة جارية، أي دائبين في إصلاح ما يصلحانه من النبات وغيره وقيل: دائبين في السير امتثالا لأمر الله، والمعنى: يجريان إلى يوم القيامة لا يفتران ولا ينقطع سيرهما وسخر لكم الليل والنهار يتعاقبان، فالنهار لسعيكم في أمور معاشكم وما تحتاجون إليه من أمور دنياكم، والليل لتسكنوا كما قال سبحانه: ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله «1» . وآتاكم من كل ما سألتموه قال الأخفش: أي أعطاكم من كل مسؤول سألتموه شيئا فحذف شيئا وقيل: المعنى:
وآتاكم من كل ما سألتموه ومن كل ما لم تسألوه، فحذفت الجملة الأخرى قاله ابن الأنباري وقيل: من زائدة، أي: آتاكم كل ما سألتموه وقيل: للتبعيض، أي: آتاكم بعض كل ما سألتموه. وقرأ ابن عباس والضحاك والحسن وقتادة «من كل» بتنوين كل، وعلى هذه القراءة يجوز أن تكون «ما» نافية، أي: آتاكم من جميع ذلك حال كونكم غير سائلين له، ويجوز أن تكون موصولة، أي: آتاكم من كل شيء الذي سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها أي: وإن تتعرضوا لتعداد نعم الله التي أنعم بها عليكم إجمالا فضلا عن التفصيل لا تطيقوا إحصاءها بوجه من الوجوه، ولا تقوموا بحصرها على حال من الأحوال، وأصل الإحصاء أن الحاسب إذا بلغ عقدا معينا من عقود الأعداد وضع حصاة ليحفظه بها، ومعلوم أنه لو رام فرد