فتح القدير — ج 3
الشوكاني • التفسير • ج3 ص151
دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
السيارة منها قاله أبو صالح، وقيل: هي قصور وبيوت في السماء فيها حرس، والضمير في وزيناها راجع إلى السماء، أي: وزينا السماء بالشمس والقمر والنجوم والبروج للناظرين إليها، أو للمتفكرين المعتبرين المستدلين إذا كان من النظر، وهو الاستدلال وحفظناها أي: السماء من كل شيطان رجيم قال أبو عبيدة: الرجيم المرجوم بالنجوم، كما في قوله: رجوما للشياطين. والرجم في اللغة هو الرمي بالحجارة، ثم قيل للعن والطرد والإبعاد رجم لأن الرامي بالحجارة يوجب هذه المعاني إلا من استرق السمع استثناء متصل، أي: إلا ممن استرق السمع، ويجوز أن يكون منقطعا، أي: ولكن من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين والمعنى: حفظنا السماء من الشياطين أن تسمع شيئا من الوحي وغيره، إلا من استرق السمع فإنها تتبعه الشهب فتقتله أو تخبله. ومعنى فأتبعه تبعه ولحقه أو أدركه. والشهاب:
الكوكب أو النار المشتعلة الساطعة كما في قوله: بشهاب قبس قال ذو الرمة:
كأنه كوكب في إثر عفرية «1»
................
وسمي الكوكب شهابا لبريقه شبه النار، والمبين: الظاهر للمبصرين يرونه لا يلتبس عليهم. قال القرطبي: واختلف في الشهاب هل يقتل أم لا؟ فقال ابن عباس: الشهاب يجرح ويحرق ويخبل ولا يقتل، وقال الحسن وطائفة: يقتل. فعلى هذا القول في قتلهم بالشهب قبل إلقاء السمع إلى الجن قولان أحدهما:
أنهم يقتلون قبل إلقائهم ما استرقوه من السمع إلى غيرهم، فلا تصل أخبار السماء إلى غير الأنبياء، ولذلك انقطعت الكهانة. والثاني: أنهم يقتلون بعد إلقائهم ما استرقوه من السمع إلى غيرهم من الجن، قال: ذكره الماوردي، ثم قال: والقول الأول أصح. قال: واختلف هل كان رمي بالشهب قبل المبعث، فقال الأكثرون:
نعم، وقيل: لا، وإنما ذلك بعد المبعث. قال الزجاج: والرمي بالشهب من آيات النبي صلى الله عليه وسلم مما حدث بعد مولده لأن الشعراء في القديم لم يذكروه في أشعارهم. قال كثير من أهل العلم: نحن نرى انقضاض الكواكب، فيجوز أن يكون ذلك كما نرى، ثم يصير نارا إذا أدرك الشيطان، ويجوز أن يقال: يرمون بشعلة من نار الهواء فيخيل إلينا أنه نجم يسري والأرض مددناها أي: بسطناها وفرشناها كما في قوله:
والأرض بعد ذلك دحاها «2» ، وفي قوله: والأرض فرشناها فنعم الماهدون «3» ، وفيه رد على من زعم أنها كالكرة «4» وألقينا فيها رواسي أي: جبال ثابتة لئلا تحرك بأهلها، وقد تقدم بيان ذلك في سورة الرعد وأنبتنا فيها من كل شيء موزون أي: أنبتنا في الأرض من كل شيء مقدر معلوم، فعبر عن ذلك بالوزن لأنه مقدار تعرف به الأشياء، ومنه قول الشاعر: