شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

فتح القدير — ج 3

الشوكاني • التفسير • ج3 ص156

دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت

والحمأ: الطين الأسود المتغير. أو الطين الأسود من غير تقييد بالمتغير. قال ابن السكيت: تقول منه:

حمئت البئر حمأ بالتسكين إذا نزعت حمأتها، وحمئت البئر حمأ بالتحريك: كثرت حمأتها، وأحمأتها إحماء: ألقيت فيها الحمأة. قال أبو عبيدة: الحمأة بسكون الميم مثل الكمأة يعني بالتحريك، والجمع حمء مثل تمرة وتمر، والحمأ المصدر مثل الهلع والجزع، ثم سمي به. والمسنون قال الفراء: هو المتغير، وأصله من سننت الحجر على الحجر إذا حككته، وما يخرج بين الحجرين يقال له السنانة والسنين، ومنه قول عبد الرحمن بن حسان:

ثم خاصرتها إلى القبة الحم ... راء «1» تمشي في مرمر مسنون

أي: محكوك، ويقال: أسن الماء إذا تغير، ومنه قوله: لم يتسنه «2» وقوله: ماء غير آسن «3» .

وكلا الاشتقاقين يدل على التغير، لأن ما يخرج بين الحجرين لا يكون إلا منتنا. وقال أبو عبيدة: المسنون المصبوب، وهو من قول العرب سننت الماء على الوجه إذا صببته، والسن الصب. وقال سيبويه: المسنون المصور، مأخوذ من سنة الوجه، وهي صورته، ومنه قول ذي الرمة:

تريك سنة وجه غير مقرفة ... ملساء ليس بها خال ولا ندب «4»

وقال الأخفش: المسنون المنصوب القائم، من قولهم: وجه مسنون إذا كان فيه طول. والحاصل على هذه الأقوال أن التراب لما بل صار طينا، فلما أنتن صار حمأ مسنونا، فلما يبس صار صلصالا. فأصل الصلصال: هو الحمأ المسنون، ولهذا وصف بهما والجان خلقناه من قبل من نار السموم الجان أبو الجن عند جمهور المفسرين. وقال عطاء والحسن وقتادة ومقاتل: هو إبليس. وسمي جانا لتواريه عن الأعين.

يقال: جن الشيء إذا ستره. فالجان يستر نفسه عن أعين بني آدم، ومعنى من قبل: من قبل خلق آدم، والسموم: الريح الحادة النافذة في المسام، تكون بالنهار وقد تكون بالليل، كذا قال أبو عبيدة، وذكر خلق الإنسان والجان في هذا الموضع للدلالة على كمال القدرة الإلهية، وبيان أن القادر على النشأة الأولى قادر على النشأة الأخرى وإذ قال ربك للملائكة الظرف منصوب بفعل مقدر، أي: اذكر، بين سبحانه بعد ذكره الخلق الإنسان ما وقع عند خلقه له وقد تقدم تفسير ذلك في البقرة، والبشر مأخوذ من البشرة، وهي ظاهر الجلد، وقد تقدم تفسير الصلصال والحمأ المسنون قريبا مستوفى. فإذا سويته أي: سويت خلقه وعدلت صورته الإنسانية وكملت أجزائه ونفخت فيه من روحي النفخ: إجراء الريح في تجاويف جسم آخر فمن قال: إن الروح جسم لطيف كالهواء فمعناه ظاهر، ومن قال: إنه جوهر مجرد غير متحيز ولا حال في متحيز. فمعنى النفخ عنده تهيئة البدن لتعلق النفس الناطقة به. قال النيسابوري: ولا خلاف في أن الإضافة في روحي للتشريف والتكريم، مثل ناقة الله، وبيت الله. قال القرطبي: والروح: جسم لطيف

الصفحة السابقة الصفحة التالية