فتح القدير — ج 3
الشوكاني • التفسير • ج3 ص250
دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
قتل بختنصر وأمددناكم بأموال وبنين بعد نهب أموالكم وسبي أبنائكم حتى عاد أمركم كما كان وجعلناكم أكثر نفيرا قال أبو عبيدة: النفير العدد من الرجال فالمعنى: أكثر رجالا من عدوكم.
والنفير: من ينفر مع الرجل من عشيرته، يقال: نفير ونافر مثل قدير وقادر، ويجوز أن يكون النفير جمع نفر إن أحسنتم أي: أفعالكم وأقوالكم على الوجه المطلوب منكم أحسنتم لأنفسكم لأن ثواب ذلك عائد إليكم وإن أسأتم أفعالكم وأقوالكم فأوقعتموها لا على الوجه المطلوب منكم فلها أي:
فعليها. ومثله قول الشاعر:
................
فخر صريعا لليدين وللفم «1»
أي: على اليدين وعلى الفم. قال ابن جرير: اللام بمعنى إلى، أي: فإليها ترجع الإساءة كقوله تعالى:
بأن ربك أوحى لها أي: إليها وقيل: المعنى: فلها الجزاء أو العقاب. وقال الحسين بن الفضل:
فلها رب يغفر الإساءة. وهذا الخطاب قيل: هو لبني إسرائيل الملابثين لما ذكر في هذه الآيات وقيل: لبني إسرائيل الكائنين في زمن محمد صلى الله عليه وسلم ومعناه: إعلامهم ما حل بسلفهم فليرتقبوا مثل ذلك، وقيل: هو خطاب لمشركي قريش فإذا جاء وعد الآخرة أي: حضر وقت ما وعدوا من عقوبة المرة الآخرة، والمرة الآخرة هي قتلهم يحيى بن زكريا كما سبق، وقصة قتله مستوفاة في الإنجيل واسمه فيه يوحنا، قتله ملك من ملوكهم بسبب امرأة حملته على قتله، واسم الملك لاخت قاله ابن قتيبة. وقال ابن جرير: هيردوس، وجواب إذا محذوف تقديره: بعثناهم لدلالة جواب إذا الأولى عليه، وليسوؤا وجوهكم متعلق بهذا الجواب المحذوف، أي: ليفعلوا بكم ما يسوء وجوهكم حتى تظهر عليكم آثار المساءة وتتبين في وجوهكم الكآبة وقيل: المراد بالوجوه السادة منهم. وقرأ الكسائي «لنسوء» بالنون على أن الضمير لله سبحانه. وقرأ أبي «لنسوءن» بنون التأكيد. وقرأ أبو بكر والأعمش وابن وثاب وحمزة وابن عامر «ليسوء» بالتحتية والإفراد.
قال الزجاج: كل شيء كسرته وفتنه فقد تبرته، والضمير لله أو الوعد وليدخلوا المسجد معطوف على ليسوءوا كما دخلوه أول مرة وليتبروا أي: يدمروا ويهلكوا، وقال قطرب: يهدموا، ومنه قول الشاعر:
فما الناس إلا عاملان فعامل ... يتبر ما يبني وآخر رافع
وقرأ الباقون بالتحتية وضم الهمزة وإثبات واو بعدها على أن الفاعل عباد لنا ما علوا أي: ما غلبوا عليه من بلادكم أو مدة علوهم تتبيرا أي: تدميرا، ذكر المصدر إزالة للشك وتحقيقا للخبر عسى ربكم أن يرحمكم يا بني إسرائيل بعد انتقامه منكم في المرة الثانية وإن عدتم للثالثة عدنا إلى عقوبتكم. قال أهل السير: ثم إنهم عادوا إلا ما لا ينبغي، وهو تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم وكتمان ما ورد في