فتح القدير — ج 3
الشوكاني • التفسير • ج3 ص258
دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
من الدنيا ما لا ينالون، ويتمنون ما لا يصلون إليه والقيد الثاني: قوله: لمن نريد أي: لمن نريد التعجيل له منهم ما اقتضته مشيئتنا، وجملة لمن نريد بدل من الضمير في له بإعادة الجار بدل البعض من الكل لأن الضمير يرجع إلى «من» وهو للعموم، وهذه الآية تقيد الآيات المطلقة، كقوله سبحانه: ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها «1» . من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون «2» . وقد قيل: إنه قرئ «ما يشاء» بالياء التحتية، ولا ندري من قرأ بذلك من أهل الشواذ، وعلى هذه القراءة قيل: الضمير لله سبحانه، أي: ما يشاؤه الله، فيكون معناها معنى القراءة بالنون، وفيه بعد لمخالفته لما قبله، وهو عجلنا وما بعده وهو لمن نريد وقيل: الضمير راجع إلى من في قوله: من كان يريد فيكون ذلك مقيدا بقوله: لمن نريد أي: عجلنا له ما يشاؤه، لكن بحسب إرادتنا فلا يحصل لمن أراد العاجلة ما يشاؤه إلا إذا أراد الله له ذلك، ثم بعد هذا كله فمن وراء هذه الطلبة الفارغة التي لا تأثير لها إلا بالقيدين المذكورين عذاب الآخرة الدائم، ولهذا قال: ثم جعلنا له جهنم أي: جعلنا له بسبب تركه لما أمر به من العمل للآخرة وإخلاصه عن الشوائب عذاب جهنم على اختلاف أنواعه يصلاها في محل نصب على الحال، أي: يدخلها مذموما مدحورا أي: مطرودا من رحمة الله مبعدا عنها، فهذه عقوبته في الآخرة مع أنه لا ينال من الدنيا إلا ما قدره الله سبحانه له، فأين حال هذا الشقي من حال المؤمن التقي؟ فإنه ينال من الدنيا ما قدره الله له وأراده بلا هلع منه ولا جزع، مع سكون نفسه واطمئنان قلبه وثقته بربه، وهو مع ذلك عامل للآخرة منتظر للجزاء من الله سبحانه، وهو الجنة، ولهذا قال: ومن أراد الآخرة أي: أراد بأعماله الدار الآخرة وسعى لها سعيها أي: السعي الحقيق بها اللائق بطالبها، وهو الإتيان بما أمر به وترك ما نهي عنه خالصا لله غير مشوب، وكان الإتيان به على القانون الشرعي من دون ابتداع ولا هوى وهو مؤمن بالله إيمانا صحيحا، لأن العمل الصالح لا يستحق صاحبه الجزاء عليه إلا إذا كان من المؤمنين إنما يتقبل الله من المتقين «3» والجملة في محل نصب على الحال، والإشارة بقوله:
فأولئك إلى المريدين للآخرة الساعين لها سعيها وخبره كان سعيهم مشكورا عند الله، أي: مقبولا غير مردود وقيل: مضاعفا إلى أضعاف كثيرة، فقد اعتبر سبحانه في كون السعي مشكورا أمورا ثلاثة:
الأول: إرادة الآخرة. الثاني: أن يسعى لها السعي الذي يحق لها. والثالث: أن يكون مؤمنا. ثم بين سبحانه كمال رأفته وشمول رحمته، فقال: كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك التنوين في كلا عوض عن المضاف إليه، والتقدير: كل واحد من الفريقين نمد، أي: نزيده من عطائنا على تلاحق من غير انقطاع، نرزق المؤمنين والكفار وأهل الطاعة وأهل المعصية، لا تؤثر معصية العاصي في قطع رزقه، وما به الإمداد:
هو ما عجله لمن يريد الدنيا، وما أنعم به في الأولى والأخرى على من يريد الآخرة، وفي قوله: من عطاء ربك إشارة إلى أن ذلك بمحض التفضل، وهو متعلق بنمد وما كان عطاء ربك محظورا أي:
ممنوعا، يقال: حظره يحظره حظرا منعه، وكل ما حال بينك وبين شيء فقد حظره عليك، وهؤلاء